هذا وينبغي للمؤمن حين يفرح بفضل الله ورحمته أن يحذر مكر الله سبحانه، لأن الفرح قد يجعل صاحبه ينسى المنعم وهو الله، فيكون ذلك سببا لسلب النعمة، ولو بلغ العبد من الطاعة ما بلغ لا ينبغي له أن يفارقه الحذر، فالفرح متى كان بالله، وبما من الله به، مقارنا للخوف والحذر، لم يضر صاحبه، ومتى خلا من الحذر ضر وأفسد.
وها هو ذا كتاب الله جل جلاله يشير إلى ألوان من الفرح المنحرف الضار، فيقول مثلا في سورة الأنعام:
«فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ» (1) .
أي ان أهل الشرك والعناد والمعصية نسوا أوامر الله فأعرضوا عنها، وجعلوها وراء ظهورهم، ففتح الله عليهم أبواب الاستدراج والاملاء والامهال، فأعطاهم من متاع الحياة ما يريدون، حتى إذا فرحوا بالاموال والشهوات أخذهم الله على غفلة، فإذا هم يائسون محرومون من كل خير.
قال الحسن البصري: «من وسّع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتّر عليه فلم ير أنه ينظر إليه فلا رأي له» ثم قرأ الآية السابقة.
وروى: «ما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون» . وفي الحديث: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فانما هو استدراج» .
ويقول الله تعالى في سورة الرعد:
«اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ» (2) .
فالله سبحانه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقتره على من
(1) سورة الأنعام، الآية 44.
(2) سورة الرعد، الآية 26.