ويعلق الزمخشري على الآيتين السابقتين، بما يلقي ضوءا على معناهما ومفهومهما فيقول على طريقته:
«وبيانه أن يقال: هل لزيد مال وبنون؟. فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه. تريد نفي المال والبنين عنه، واثبات سلامة القلب له، بدلا عن ذلك.
وان شئت حملت الكلام على المعنى، وجعلت المال والبنين في معنى الغنى، كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه.
ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا، ولا بد لك مع ذلك من تقدير المضاف وهو الحال، والمراد بها سلامة القلب، وليست هي من جنس المال والبنين، حتى يؤول المعنى إلى أن المال والبنين لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب، ولو لم يقدر المضاف لم يتحصل للاستثناء معنى، وقد جعل «من» مفعولا لينفع، أي لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلا سلم قلبه مع ماله، حيث أنفقه في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع.
ويجوز على هذا: إلا من أتى الله بقلب سليم من فتنة المال والبنين، ومعنى سلامة القلب سلامته من آفات الكفر والمعاصي».
ويقول القرآن الكريم في سورة الصافات متحدثا عن نوح وإبراهيم:
«وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (1) .
أي ان من شيعة نوح وأهل دينه إبراهيم عليه السلام الذي أقبل على ربه بقلب سليم عامر بالتوحيد والخير، نقي من الشرك والإثم، خالص من
(1) سورة الصافات، الآية 83 - 84.