فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 1257

نزلت الآية في شأن حاطب بن أبي بلتعة حينما بعث إلى قريش رسالة مع امرأة يخبرهم فيها بأن الرسول في طريقه إلى فتح مكة. يقول:

«أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره لله بكم، وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه وناصره» .

فأخبر الله رسوله بأمر الرسالة، وبعث وراء المرأة من أخذها منها وعاد بها إلى رسول الله، فأحضر حاطبا وسأله: يا حاطب، ما هذا؟

فأجاب: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت أمرأ ملصقا في قريش - أي دخيلا عليهم - وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.

فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما صاحبكم فقد صدق.

فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال النبي: انه قد شهد بدرا، وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ويقول الله عز وجل في سورة المجادلة:

«لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ، أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ

خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (1) .

ويعلق الرازي على الآية بقوله: «المعنى أنه لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء الله، وذلك لأن من أحب أحدا امتنع أن يحب مع ذلك عدوه، وهذا على وجهين:

أحدهما: أنهما لا يجتمعان في القلب، فإذا حصل في القلب وداد أعداء الله لم يحصل فيه الإيمان فيكون صاحبه منافقا. والثاني: انهما يجتمعان، ولكنه معصية وكبيرة، وعلى هذا الوجه لا يكون صاحب هذا الوداد كافرا بسبب هذا الوداد، بل يكون عاصيا في الله.

فإن قيل: أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاملتهم ومعاشرتهم، فما هذه المودة المحرمة المحظورة؟. قلنا: المودة المحظورة هي إرادة منافعه دينا ودنيا مع كونه كافرا، فأما ما سوى ذلك فلا حظر فيه. ثم انه تعالى بالغ في المنع من هذه المودة من وجوه:

أولها ما ذكر أن هذه المودة مع الإيمان لا يجتمعان. وثانيها: قوله ولو كانوا أباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم، والمراد ان الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع الميل، ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مغلوبا مطروحا بسبب الدين.

قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وعمر بن الخطاب قتل خاله العاص ابن هشام بن المغيرة يوم بدر، وأبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: متّعنا بنفسك. ومصعب بن عمير قتل

(1) سورة المجادلة، الآية 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت