فهرس الكتاب

الصفحة 910 من 1257

فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم، فمن كان مستنا فليستنّ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا، والجنون فنون.

روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحفوه (أكثروا عليه) في المسألة. فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا.

فلما سمع ذلك القوم أرمّوا (سكتوا) ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر.

قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا، فإذا كل إنسان لافّ رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث.

وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا زفنّا (ضربنا بالأرجل) ولا قمنا».

ولقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما الوجل في القلب إلا كضرمة السّعفة (كاحتراق جريدة النخل) فإذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك» . وهذا يشير إلى أن الوجل الصادق هو مفتاح الاستجابة للدعاء. قال العلماء: والسعفة واحدة جريد النخل، إذا احترق يسمع له صوت ونشيش. وقد شبهت به السيدة عائشة شعور الوجل الذي يلم بالقلب عند ذكر فيخفق له.

ولا ذكر يشعل سعفة الوجل في قلب المؤمن كتلاوة القرآن الكريم والتدبر في آياته:

«اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ، ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» (1) .

ومما يؤكد هذا ما روى عن شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له:

الوجل في القلب كاحتراق السعفة، يا شهر بن حوشب، أما تجد له قشعريرة؟. قال شهر: بلى.

قالت أم الدرداء: فادع الله، فإن الدعاء يستجاب عند ذلك.

وقال بعض السلف: إني لأعلم متى يستجاب لي. قيل له: ومن أين لك ذلك؟.

قال: إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي.

اللهم هبنا نعمة الخشوع لك، ووجل القلوب عند ذكرك، ولا تحرمنا رضاك ورضوانك، انك أنت البر الرحيم.

(1) سورة الزمر، الآية 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت