فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 1257

وتبعات الدعوة ومواطن الحق.

وللصوفية مذهبهم في الحياء، فهم يرون - كما يذكر الإمام الهروي - أن الحياء من أول مدارج الخصوص، وهو على ثلاث درجات، فالدرجة الأولى هي الحياء الذي يتولد من علم العبد بأن الله ناظر إليه، فيدعوه ذلك إلى الدأب في الطاعة والنفور من المعصية؛ والدرجة الثانية الحياء الذي يتولد في العبد عند شعور قلبه بأن الله تعالى معه، وأنه مع الله، وأن الله قريب منه بالإجابة والإثابة، والدرجة الثالثة هي الحياء الناشيء من انخلاع قلب العابد من التعلق بالكائنات، وعكوفه على ربّ البريات بحيث لا يرى المرء مع الله غيره، ولا يخطر بباله في تلك الحالة سواه.

والصوفية في حديثهم عن الحياء يركّزون جلّ عنايتهم في الحياء من الله تبارك وتعالى، وها هو ذا الجنيد شيخهم يقول: «الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء، وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق» . ويقول ذو النون: «الحياء وجود الهيبة في القلب، مع وحشة ما سبق منك إلى ربّك» ويقول السري: «إن الحياء والأنس يطرقان القلب فإن وجدا فيه الزهد والورع أقاما فيه وإلا رحلا»

ويرى الصوفية أن القلب إذا حرم الحياء أصبح لا خير فيه، ولذلك يقول أحدهم: «أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيى منه، وعمارة القلب بالهيبة والحياء، فإذا ذهب من القلب لم يبق فيه خير» ، ويجعل الفضيل قلة الحياء أحد خمسة أسباب للشقوة فيقول: «خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل» . وهذا أحد الأئمة يقول:

هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم

أليس من الواجب المستحقّ ... حياء العباد من المنعم؟

بقيت بعد ذلك عبارة مثيرة يقول فيها يحيى بن معاذ: «من استحيى من الله مطيعا استحيى الله منه وهو مذنب» . ولنترك ابن قيم الجوزية يشرح هذه العبارة ويفسرها بقوله: «من غلب عليه خلق الحياء من الله تعالى حتى في حال طاعته، فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستح خجل، فإنه إذا واقع ذنبا استحيى الله عز وجل من نظره إليه في تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحيي أن يرى من وليه ومن يكرم عليه ما يشينه عنده، وفي المشاهد شاهد بذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخصّ الناس به، وأحبّهم إليه، وأقربهم إليه - من صاحب أو ولد أو من يحبه - وهو يخونه، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب، حتى كأنه هو الجاني، وهذا غاية الكرم» .

نسأل الله جلت قدرته أن يجمّلنا بخلق الحياء منه، إنه اكرم مسؤول وأفضل مأمول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت