حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 2، ص: 698
يريد به التكاليف الشاقة. وقرأ ولا تحمل بالتشديد للمبالغة. كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا حملا مثل حملك إياه من قبلنا أو مثل الذي حملته إياهم فيكون صفة لإصرا. والمراد به ما كلّف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة وخمسية صلاة في اليوم والليلة وصرف ربع المال للزكاة أو ما أصابهم من الشدائد والمحن.
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ من البلاء والعقوبة أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية وهو يدلّ على جواز التكليف بما لا يطاق، وإلّا لما سئل التخلّص عنه. والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى مفعول ثان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظر في السفر الخامس من التوراة وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق ورأى الأعاجيب الكثيرة فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات، ثم إنه تعالى بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم. ثم قال تعالى في صفة هذه الأمة ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وقال عليه الصلاة والسّلام: «رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق» . وقال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وقال عليه الصلاة والسّلام: «بعثت بالحنفية السهلة السمحة» . قوله: (للمبالغة) إشارة إلى الفرق بين على «هذا» وبين «الذي» في قوله: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا بأن بناء فعل في الأول للمبالغة والتكثير كما في: موتت البهائم، وغلقت الأبواب. وفي الثاني للتعدية كما في: فرحته. فإن قولك حمل عليه بالتخفيف يفيد معنى، وإذا قلت: حمل عليه بالتشديد قصدت به المبالغة في ذلك المعنى، وأما حمله ذلك فهو للتعدية من حمله مخففا وليس فيه إلا نقل باب إلى باب ولا يفيد مبالغة. قوله: (حملا مثل حملك إياه) أي على أن الكاف صفة لمصدر محذوف و «ما» مصدرية، وعلى الثاني الكاف صفة إصرا و «ما» موصولة. قوله: (من البلاء والعقوبة) يعني أن حمل عليه كذا وحمله كذا وإن اشتركا في معنى التعدية واختلف طريق تعديتهما إلا أنه لا تكرار للفرق بينهما، باعتبار المتعلق لأن المتعلق الأول هو الإصر أي التكاليف الشاقة التي لا تفي بها الطاقة البشرية. ومتعلق الثاني إما البلاء والعقوبة وإما التكاليف التي لا تفي بها الطاقة. والطاقة القدرة على الشيء وهو في الأصل مصدر جاء على حذف الزوائد كان حقه أن يقال: أطاقة لأنه من أطاق. ومن الأصحاب من استدل بهذه الآية على جواز التكليف بما لا يطاق قالوا: لو لم يكن جائزا لما حسن طلب دفعه بالدعاء إلى اللّه تعالى. وأجابت المعتزلة عنه بوجوه: الأول أن المراد «بما لا طاقة لنا به» ما يشق فعله مشقة عظيمة كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، إذا كان مستثقلا له قال الشاعر:
إنك إن كلفتني ما لم أطلق ... ساءك ما سرك مني من خلق