حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 2، ص: 699
وَاعْفُ عَنَّا وامح ذنوبنا. وَاغْفِرْ لَنا واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة.
وَارْحَمْنا وتعطّف بنا وتفضّل علينا. أَنْتَ مَوْلانا سيدنا. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286) فإن من حق المولى أن ينصر مواليه على الأعداء. والمراد به عامة الكفرة. روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما دعا بهذه الدعوات قيل له: فعلت. وعنه عليه السّلام: «أنزل اللّه تعالى آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» . وعنه عليه السّلام: «من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والثاني أنه تعالى لم يقل: لا تكلفنا ما لا طاقة لنا بتحمله بل قال: لا تُحَمِّلْنا فيكون المراد منه العذاب، والمعنى لا تحمل عذابك الذي لا طاقة لنا بتحمله. وإذا حملنا الآية على ذلك كان قوله تعالى: لا تُحَمِّلْنا حقيقة فيه، وإذا حملناه على التكليف كان لا تُحَمِّلْنا مجازا فيه، فكان الأول أولى. والثالث سلمنا أنهم سألوا اللّه تعالى أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه لأنه لو دل على ذلك لدل قوله: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ [الأنبياء: 112] على جواز أن يحكم بالباطل ودل قول إبراهيم عليه السّلام: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء: 87] على جواز خزي الأنبياء عليه الصلاة والسّلام. وأجاب أصحابنا عن الوجه الأول بأنه لو كان معنى الآية لا تكلفنا بالتكاليف الشاقة لكان معناها ومعنى الآية الأولى واحدا تكون هذه الآية تكرارا محضا وذلك غير جائز. وعن الوجه الثاني بأن التحمل في عرف القرآن مخصوص بالتكليف حقيقة عرفية فيه وليس بمجاز حتى يكون حمله على التعذيب أولى من حمله على التكليف سلّمنا أنه لم يوجد هذا العرف إلا أن قوله: لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ عام في العذاب والتكليف فوجب إجراؤه على ظاهره لأن التخصيص بغير حجة لا يجوز.
قوله: (وامح ذنوبنا) يقال: عفت الريح الأثر إذا محته. ومحو الذنب كناية عن التجاوز وترك مؤاخذة المذنب بسببه وترك مؤاخذته بسبب ذنبه لما كان يستلزم أن يفضحه ويخجله بإظهار ذنوبه وذكره له وذلك نوع من العذاب الروحاني. أمر اللّه تعالى المؤمنين أن يسألوا ستر ذنوبهم وإخفاءها حتى لا يظهر حالهم لأحد ولا يفتضحوا به: سألوا أولا أن يخلصهم من العذاب الجسماني، ثم سألوا أن يخلصهم من العذاب الروحاني، ثم سألوا أن يكرمهم ويتفضل عليهم بكل ما يسمّى رحمة وهو قسمان: ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها وثواب روحاني وغايته أن يتجلّى له نور جلال اللّه ويكشف له بقدر الطاقة علو كبريائه وذلك بأن يصير غائبا عن كل ما سوى اللّه تعالى مستغرقا بالكلية في نور حضور جلاله تعالى. ثم استأنفوا ببيان ما هو الباعث لهذه التضرعات والمسائل فقالوا: أنت مولانا اعترافا في حقهم بغاية التذلل والخضوع والتبري من الحول والقوة بحيث لا يتم شيء من