فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 38
يمكن التصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وهو نداء ثان عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ تعطي منها ما تشاء من تشاء وتستردّ فالملك الأوّل عام والآخران بعضان منه. وقيل: المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم. وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بالنصر والإدبار والتوفيق والخذلان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب عنه الكوفيون بأن العاطف ترك بين الفعلين بناء على أن الفعل الثاني ليس مطلوبا مغايرا للفعل الأول بل الثاني تفسير الأول، فكأنه قيل: يا اللّه أمنا بخير بأن تغفر لنا فجعل الثاني عطف بيان للأول. قوله: (وهو نداء ثان) بحذف حرف النداء أي يا مالك الملك وكذا قوله: قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: 46] ولا يجوز أن يكون نعتا لقوله:
اللَّهُمَ لأن قولنا: «اللهم» مجموع الحرف والاسم وهذا المجموع لم يكن له صفة. وقال المبرد والزجاج: إن «مالك» وصف للمنادى المفرد لأن هذا الاسم ومعه الميم بمنزلته، ومعه ياء النداء فلا تمتنع الصفة مع الميم كما لا تمتنع مع ياء. قوله تعالى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ) قال الإمام: الملك هو القدرة والمعنى أن قدرة الخلق على كل ما يقدرون عليه ليس إلا بأقدار اللّه تعالى فهو الذي يقدر على كل قادر ومقدوره وعلى كل مالك ومملوكه. وقيل: الملك ضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم والملك كالجنس له فكل ملك ملك من غير عكس، والملكوت يخص بملك اللّه تعالى. وقيل: المراد بالملك النبوة. قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي: تُؤْتِي الْمُلْكَ [آل عمران: 26] يعني النبوة والرسالة فإن قيل: قوله تعالى:
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ يأبى عن حمله على النبوة لأنه تعالى إذا أكرم عبدا بالنبوة لا ينزعها منه لأن عزل النبي عن النبوة إذلال والأنبياء عباد مكرمون. والجواب عنه من وجهين:
الأول أنه تعالى إذا جعلها في نسل رجل ثم نزعها من نسله وشرف بها إنسانا آخر من غير ذلك النسل صح أن يقال: إنه تعالى نزعها منهم، واليهود كانوا يعتقدون أن النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل. فلما شرف اللّه تعالى بها محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم صح أن يقال: إنه تعالى نزع ملك بني إسرائيل إلى العرب. والثاني أن يكون المراد من نزع الملك ممن يشاء أن لا يعطيه ابتداء لا أن يسلبه من بعد إعطائه ونظيره قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط. وما حكاه عن الكفار من قولهم للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام. لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [الأعراف: 88] وقول الأنبياء: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها [الأعراف: 89] مع أنهم لم يكونوا فيها قط.
وعلى هذا القول تكون الآية ردا على أربع فرق: إحداها الذين استبعدوا أن يجعل اللّه بشرا رسولا، والثانية الذين جوّزوا أن يكون الرسول من البشر إلا أنهم قالوا: إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فقير