فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 116
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا لما كان الموت على الكفر سببا لامتناع قبول الفدية أدخل الفاء ههنا للإشعار به.
وملئ الشيء ما يملأه، وذهبا نصب على التمييز. وقرئ بالرفع على البدل من ملئ أو الخبر لمحذوف. وَلَوِ افْتَدى بِهِ محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملئ الأرض ذهبا، أو معطوف على مضمر تقديره: فلن يقبل من أحدهم ملئ الأرض ذهبا لو تقرب به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة. أو المراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ [الزمر: 47] والمثل يحذف ويراد كثيرا لأن المثلين في حكم شيء واحد. أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مبالغة في التحذير وإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء ربّما يعفى عنه تكرّما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقبولة وهو الذي ذكره اللّه تعالى في قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 89؛ النور: 5] وثانيها الذي يتوب من ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره اللّه تعالى في الآية المتقدمة وقال: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [آل عمران: 90] وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة البتة وهو المذكور في هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أو ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ الآية وأخبر عن القسم الأخير بثلاثة أشياء: الأول قوله: لن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا أي قدر ما يملأ الأرض من الذهب، والثاني قوله:
لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: 91] أي مؤلم والثالث قوله: وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ [آل عمران: 91] أي كما لا خلاص لهم من هذا العذاب الأليم بسبب الفدية لا خلاص لهم منه بسبب النصرة والإعانة والشفاعة. وقرئ «ذهب» بالرفع على أنه بدل من «ملئ الأرض» . وذكر في النحو أن النكرة إذا أبدلت من المعرفة بدل الكل من الكل يجب نعت تلك النكرة كما في قوله تعالى بالناصية ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ [العلق: 16] إلا أن الفاضل الاسترابادي نقل عن أبي علي الفارسي واستصوبه أنه قال: يجوز وصف تلك النكرة المبدلة من المعرفة إذا استفيد من البدل ما ليس في المبدل منه فإن لم تفد النكرة إلا ما أفاده الأول لم يجز لأنه يكون إبهاما بعد التفسير نحو: مررت بزيد رجل. ولا فائدة فيه.
قوله: (محمول على المعنى) جواب عما يقال: ظاهر النظم يوهم أن الغرض المسوق له الكلام عدم قبول ملئ الأرض ذهبا افتدى به أو لم يفتد ومعلوم أن الغرض عدم قبول الفدية وإن كانت ملئ الأرض ذهبا. وتوضيحه أن مثل هذه الواو إنما يؤتى بها حيث يراد تحقق الحكم السابق على تقدير الشرط وعدمه حتى ذهب بعضهم إلى أنها للعطف على محذوف هو نقيض الشرط المذكور أي لو لم يفتد به ولو افتدى به وههنا المقصود عدم قبول الفدية سواء كانت ملئ الأرض أو لم تكن، فمقتضى الظاهر أن يقال: لا تقبل فديته ولو