حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 245
أمّكم حواء من ضلع من أضلاعه. أو محذوف تقديره من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها، وهو تقرير لخلقهم من نفس واحدة. وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً بيان لكيفية تولدهم منهما. والمعنى ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة. واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام: 2] بل المراد بخلقهم منه جعله أصلا يتفرع منه الفروع ويتشعب منه الشعب. وليس المراد من الناس ما يتناول نوع الإنسان وجميع أفراده من آدم وحواء وفروعهما لئلا يلزم أن يكون متفرعا من نفسه ويكون خلق الزوج وبث الرجال والنساء داخلين في قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فيكون ذكرهما بعده تكرارا بل المراد منه ما يتناول أولاد آدم من الذكور والإناث على سبيل تغليب الموجودين على الماضين والآتين، فلا يكون قوله: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها تكرارا سواء جعل معطوفا على «خَلَقَكُمْ» أو على محذوف بل جيء به دفعا لما يتوهم من أنه كيف يصح أن يحكي عنهم بأنهم مخلوقون من نفس واحدة مع كونهم مخلوقين من نفس آدم وحواء؟ وتقريرا لخلقهم من نفس واحدة فإن زوجها لما خلق منها صح أن يقال لمن يتفرع منهما أنهم مخلوقون من نفس واحدة فكان قوله: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً بيانا لكيفية تولدهم منهما. روي أن اللّه لما خلق آدم ألقى عليه النوم ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى فلما استيقظ مال إليها وألفها لأنها مخلوقة من جزء من أجزائه. قال عليه الصلاة والسّلام: «إن المرأة خلقت من ضلع فإن ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وبها عوج استمتعت بها» . وقيل: إن حواء لم تخلق من آدم وإنما خلقت من طينة فضلت من طينته. وإن قوله تعالى: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها فيه تقدير مضاف أي وخلق من جنسها زوجها، واختاره أبو مسلم الأصفهاني وجعله كقوله تعالى:
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا [النحل: 72] وقوله: إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: 164] وقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: 128] قال القاضي: والقول الأول أقوى لقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إذ لو كانت حواء مخلوقة لا من آدم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا نفس واحدة. وأجيب بأن كلمة «من» لابتداء الغاية فلما كان ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صح أن يقال خلقكم من نفس واحدة. قوله: (إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر) أي لم يصرح بتوصيف النساء بالكثرة لكون كثرتهن معلومة باقتضاء الحكمة إياها، فإنه تعالى خلقهن لتكثير الأولاد وتفريقهم في أقطار البلاد ومن أراد تكثير الغلة يكثر المزارع ويجعلها أكثر من الحارث. وأجاب عنه الإمام بقوله: السبب فيه- واللّه أعلم- أن شهرة الرجال أتم وكانت كثرتهم أظهر وأعرف فلا جرم خصوا بوصف الكثرة، فهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز