فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 317
ضربا غير مبرّح ولا شائن. والأمور الثلاثة مرتبة ينبغي أن يدرّج فيها. فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا بالتوبيخ والإيذاء والمعنى: فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك ولا يضربها في حالة الوعظ لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية، فإن أصرّت على نشوزها فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه الامتناع عن كلامها. قال ابن عباس:
يهجرها بأن يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها. وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش آخر.
ومنهم من حمل المضاجع على البيوت التي يبتن فيها أي لا تشاركوهن في البيتوتة في بيوتهن. ومنهم من جعل الهجران في المضاجع كناية عن ترك الجماع لأن إضافة الهجران إلى المضاجع تفيد ذلك. قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه: لا يزيد في هجرة الكلام على ثلاث، وإذا هجرها في المضجع وفي ضمنه السكوت عنها فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فيكون دليلا على كمال النشوز، فعند ذلك يضربها ضربا غير مبرح وغير شائن يورثها شينا وعيبا في بدنها. واختار المصنف رحمه اللّه أن حكم هذه الآية مشروع على الترتيب فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب. قال علي رضي اللّه عنه: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أبت هجرها في المضجع، وإن أصرت على الإباء ضربها، وإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. وقيل: هذا الترتيب مرعى عند خوف النشوز، وأما عند تحقق النشوز فلا بأس في الجمع بين الكل بأن يعظها ويهجرها ويضربها. قال الإمام الشافعي: أما الضرب فمباح وتركه أفضل. روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه رأى أبا مسعود قد رفع الصوت على غلام ليضربه به فصاح: «أبا مسعود اللّه أقدر عليك منك عليه» فرمى السوط وأعتق الغلام.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: كنا معشر قريش تملك رجالنا نساءهم فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن- أي نشزن- واجترأن، فأتيت النبي عليه الصلاة والسّلام فقلت له: ذئرت النساء على أزواجهن فائذن في ضربهن. فطاف بحجر نساء النبي عليه الصلاة والسّلام جمع من النسوان كلهن يشكون أزواجهن فقال عليه الصلاة والسّلام: «قد طاف الليل بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك أخياركم» معناه إن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا. فاحتج الإمام الشافعي رضي اللّه عنه بهذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب وإذا ضربها يجب أن يقتصر فيه على قدر الكفاية. ويدل عليه أنه سبحانه وتعالى ابتدأ بالوعظ ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في إيذائهن فإن حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به ولم يجز الإقدام على الطريق الأثقل.