فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 368
ما أَصابَكَ يا إنسان مِنْ حَسَنَةٍ من نعمة فَمِنَ اللَّهِ أي تفضّلا منه فإن كل ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئ نعمة الوجود فكيف يقتضي غيره، ولذلك قال عليه السّلام: «ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللّه تعالى» قيل: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا» وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ من بلية فَمِنْ نَفْسِكَ لأنها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي وهو لا ينافي قوله تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: 78] فإن الكل منه إيجادا وإيصالا غير أن الحسنة إحسان وامتحان والسيئة مجازاة وانتقام، كما قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها:
ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو اللّه أكثر. والآيتان كما ترى لا حجة فيهما لنا وللمعتزلة. وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا حال قصد بها التأكيد إن علق الجار بالفعل والتعميم إن علق بها أي رسولا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رضي اللّه عنها وصب) أي مرض. ونصب أي تعب. والشوكة تطلق على ما يدق ويصلب رأسه من النبات وعلى المرة من شاكه أي أصابه الشوك. والمراد ههنا الثاني لأنها لو أرادت النبات لقالت: يشاك بها ولأنها جعلتها غاية للمعاني، وعطفت عليها المعنى وهو انقطاع شسع نعله، والشسع واحد شسوع النعل التي تشد إلى زمامها. قوله: (لا حجة فيهما لنا وللمعتزلة) لأن النزاع بيننا وبينهم إنما هو في أفعال العباد. وقد تقرر أن الحسنة والسيئة في كل واحدة من الآيتين ليستا بمعنى الطاعة والمعصية حتى نستدل بإسناد الكل إليه تعالى على مذهبنا، وتستدل المعتزلة بإسناد السيئة إلى العبد على مذهبهم. روى الإمام عن أبي علي الجبائي أنه قال: قد ثبت أن لفظ «السيئة» تارة يقع على الذنب والمعصية. ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما. ولما كانت السيئة بمعنى البلاء مضافة إلى اللّه وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض. فإن قيل: فلماذا فصل اللّه بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلتاهما فعل العبد عندكم؟ قلنا: لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد إلا أنه إنما وصل إليها بتسهيله وألطافه فصحت الإضافة إليه، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى اللّه تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه رغب فيها، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة إليه تعالى من جميع الوجوه. ثم قال: هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع. ولما حمل المصنف الحسنة والسيئة على النعمة والبلية وهما ليستا من أفعال العباد ثبت أنه لا حجة في الآيتين لنا ولا للمعتزلة. قوله: (حال قصد بها التأكيد) يعني أن قوله: رَسُولًا حال مؤكدة والحال المؤكدة كما تجيء بعد الجملة الاسمية تجيء بعد الفعلية أيضا كقوله