فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 476
وقد سبق الكلام في «ماذا» . وإنما قال لهم ولم يقل لنا على الحكاية لأن «يسألونك» بلفظ الغيبة وكلا الوجهين سائغ في أمثاله والمسؤول ما حل لهم من المطاعم كأنهم لما تلي عليهم ما حرّم عليهم سألوا عما أحلّ لهم. قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه ومن مفهومه حرم مستخبثات العرب، أو ما لم يدل نص ولا قياس على حرمته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كأنهم لما تلي عليهم ما حرم عليهم من الخبائث سألوا عما أحل لهم، فقيل لهم: أحل لكم الطيبات من المطاعم والتي لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه أو لم يدل نص ولا قياس على تحريمه. وتقييد ما أحل بكونه من الطيبات يدل بمفهومه على حرمة مستخبثات العرب. قوله: (وقد سبق الكلام في «ماذا» ) وهو جواز أن تكون كلمة «ما» للاستفهام، ويكون «ذا» بمعنى «الذي» وما بعده صلته، والمعنى: ما الذي أحل لهم ف «ما» مبتدأ والموصول مع صلته خبره، وجواز أن يكون «ماذا» اسما واحدا بمعنى: أي شيء، ويحكم على موضعه بحسب ما يقتضيه العامل، وههنا في محل الرفع على الابتداء. قوله: (وإنما قال لهم ولم يقل لنا) لما وجه كون مفعول «يسألون» جملة يتضمن السؤال معنى القول، فكأنه قيل: يقولون لك ماذا أحل لهم؟ ورد أن يقال: ولما كانت الجملة محكية عنهم ومقولا لهم لزم أن تكون الحكاية الواقعة في القرآن مخالفة للواقع؛ لأن هذه العبارة ليست مقولا لهم، فإن ما يقولونه هو ماذا أحل لنا، فحكاية كلامهم تقتضي أن يقال «لنا» لتطابق الحكاية المحكي، فأجاب عنه بأنه إنما قال لهم نظرا إلى كون يسألونك بلفظ الغيبة، فإنه لما عبر عن القائلين بضمير الغيبة حيث قيل «يسألونك» وكانوا غيّبا بالنسبة إلى المخاطب ناسب ذلك أن يعبر عنهم بضمير الغيبة في حكاية كلامهم، ولو قيل «يسألونك ماذا أحل لنا» لجاز أيضا على أن يكون حكاية لكلامهم بعبارة أنفسهم. قوله: (ما لم تستخبثه الطباع السليمة) لأن الطيب في لغة العرب ما هو مستلذ مشتهي، والحلال المأذون فيه سمي أيضا طيبا تشبيها له بما هو مستلذ من حيث إن كل واحد منهما خال عن المضرة. ولا يمكن أن يكون المراد بالطيبات ههنا المحلات وإلا لصار تقدير الآية: قل أحل لكم المحللات؛ وهذا معنى ركيك خال عن الفائدة، فوجب أن يحمل الطيبات على المستلذات المشتهيات. وقيد الطباع بالسليمة لأن المعتبر في الاستطابة والاستلذاذ استطابة أهل الرؤية والأخلاق الجميلة والطباع السليمة، فإن أهل البادية وإجلاف الناس يستطيبون أكل جميع الحيوانات بل أكل الجيف. قوله: (أو ما لم يدل نص ولا قياس على حرمته) عطف على قوله: «ما لم تستخبثه الطباع السليمة» أي أو ما لم يستخبثه الشارع ولا قياس المجتهد بل يبقى داخلا في عموم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: 29] فعموم الآية قد خص بقوله تعالى: حُرِّمَتْ