فهرس الكتاب

الصفحة 1754 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 3، ص: 477

وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ عطف على الطيبات إن جعلت «ما» موصولة على تقدير: وصيد ما علمتم، وجملة شرطية إن جعلت شرطا وجوابها «فَكُلُوا» . والجوارح كواسب الصيد على أهلها من سباع ذوات الأربع والطير مُكَلِّبِينَ معلّمين إياه الصيد والمكلّب مؤدّب الجوارح ومضرّيها بالصيد مشتق من الكلب لأن التأديب يكون أكثر فيه أثرا، أو لأن كل سبع يسمى كلبا لقوله عليه الصلاة والسّلام: «اللهم سلّط كلبا من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عَلَيْكُمُ الْخَبائِثَ* وغيره من الأدلة الشرعية القائمة على حرمة بعض ما في الأرض، وأن حمل الطيبات في هذه الآية على المستلذات يجب تخصيصها أيضا بتلك الأدلة. قوله:

(عطف على الطيبات) والمعنى: وأحل لكم صيد ما علّمتموه، على حذف المضاف إلى الموصول وهو الصيد بمعنى المصيد. وإن جعلت «ما» شرطية يكون في محل الرفع بالابتداء لا بالعطف على «الطيبات» وخبره محذوف وهو: «فكلوا» فتكون الواو حينئذ لعطف الجملة.

و «من الجوارح» حال إما من الموصول أو من العائد المحذوف، وهو جمع جارحة بمعنى كاسبة، قال: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الأنعام: 60] وجوارح الإنسان أعضاؤه التي يكسب بها، ويحتمل أن يكون من الجرح بمعنى تفريق الاتصال فإن الجوارح تجرح الصيد غالبا.

والمراد بالجوارح في الآية كل ما يكسب الصيد على أهله من سباع البهائم كالفهد والنمر والكلب، ومن سباع الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحوها مما يقبل التعليم، فإن صيد جميعها حلال.

قوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ) حال من فاعل «عَلَّمْتُمْ» و «تُعَلِّمُونَهُنَّ» حال ثانية استئناف، والتكليب تعليم الجوارح الاصطياد وتأديبها بحيث لا تأكل ما صادته بل تمسكه لمن أرسلها، وهو في اللغة جعل الشيء كلبا، والكلب كلب بنفسه لا بجعل المعلم، فوجب أن يفسر التكليب بجعل الكلب كلبا كاملا، وذلك إنما يكون بتأديبه وتضريته على الاصطياد لصاحبه بأن يمسك له ولا يأكله؛ فلذلك فسر المكلب بمؤدب الجوارح ومضرّيها، وهو يحتمل أن يكون من باب الإفعال والتفعيل. وإضراء الجوارح وتضريتها يطلق على تعويدها بالصيد وعلى إغرائها به، يقال ضري الكلب يضرى ضراوة أي تعود، وأضراه صاحبه أي عوده، وأضراه به أيضا أي أغراه؛ وكذلك التضرية؛ كذا في الصحاح. إلا أن تفسير التكليب بتأديب الجوارح سواء كانت من سباع البهائم أو الطيور مبني على تغليب الكلب على باقي السباع لكون الكلب أكثر للصيد وكون التأديب أكثر فيه، أو لأن كل سبع يسمى كلبا، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حق عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشام وظهر منه تمرد وطغيان، استحق به أن يدعو عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله: «اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك» فأكله السبع في طريق الشام، فلما استجاب اللّه تعالى دعاءه بأن سلط عليه الأسد علم أن كل سبع من سباع البهائم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت