حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 4
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد ونبّه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكتب له مثل أعمالهم إلى يوم القيامة ونزل ملك من السماء السابعة معه مرزبة من حديد كلما أراد الشيطان أن يلقي في قلبه من الشر ضربه بها وجعل بينه وبين الشيطان سبعون ألف حجاب، فإذا كان يوم القيامة قال اللّه تعالى له: ابن آدم امش تحت ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فأنت عبدي وأنا ربك لا حساب عليك ولا عذاب». كذا رواه الإمام الواحدي في الوسيط. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس:
ونزلت سورة الأنعام كلها بمكة إلا قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخر ثلاث آيات نزلت في رد مقالة اليهود وقوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فهذه الست آيات مدنيات.
قوله: (أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد) أي يختص جميع أقسامه وإفراده به تعالى وذلك أنه تعالى جعل الحمد المحلى بلام الجنس مبتدأ وأخبر عنه باختصاصه للّه تعالى واختصاص الجنس به يستلزم اختصاص جميع أفراده به تعالى، إذ لو ثبت شيء من إفراد الحمد لغيره تعالى لزم أن يثبت له حقيقة الحمد في ضمن ذلك الفرد. فإن قيل: أليس شكر المنعم واجبا مثل شكر الأستاذ على تعليمه وشكر السلطان على عدله وشكر المحسن على إحسانه؟ قال عليه الصلاة والسّلام: «من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه» . فالجواب أن الحمد والتعظيم المتعلق بالمنعم نظرا إلى وصول النعمة من قبله هو في الحقيقة راجع إليه تعالى لأنه تعالى لو لم يخلق نفس تلك النعمة ولم يحدث داعية الإحسان في قلب المحسن لما قدر ذلك العبد على الإحسان والإنعام، وذلك لأن صدور الإحسان من العبد يتوقف على داعية الإحسان في قلب العبد وحصول تلك الداعية في القلب ليس من العبد وإلا لافتقر في حصولها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل، بل حصولها ليس إلا من اللّه تعالى فظهر أنه لا محسن في الحقيقة إلا اللّه ولا مستحق للحمد في الحقيقة إلا هو. قوله: (ونبّه على أنه المستحق له) حيث أخبر بأن استحقاق حقيقة الحمد مختص باللّه تعالى لا يعادله فيه أحد سواه، كيف وأنه تعالى هو المنفرد في تربية عباده بخلق هذه النعم أسبابا لتكونهم وتعيشهم ولا يعادله أحد في تربيتهم بخلق شيء منها. وبه تم الاحتجاج على من يزعم المعادلة بينه وبين الأوثان ولا مدخل في هذا الاحتجاج لإسناد الحمد إلى الحامد بأن يقول: احمد اللّه مثلا فبهذا الوجه فضل الحمد للّه على أن يقول أحمد اللّه مع أن إسناد الحمد إلى الحامد يشعر بأنه قضى حق حمده تعالى ولا تفي بذلك طاقة أحد لما روي من أنه تعالى