حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 178
أنا أميّون فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ حجة واضحة تعرفونها وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لمن تأمل فيه وعمل به فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ بعد أن عرف صحتها أو تمكن من معرفتها وَصَدَفَ أعرض أو صدّ عَنْها فضلّ وأضلّ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ شدّته بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) بأعراضهم أو صدهم.
هَلْ يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون يعني أهل مكة. وهم ما كانوا منتظرين لذلك ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبّهوا بالمنتظرين إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ملائكة الموت أو العذاب. وقرأ حمزة والكسائي بالياء هنا وفي النحل. أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي أمره بالعذاب أو كل آياته يعني آيات القيامة والعذاب والهلاك الكلي لقوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني أشراط الساعة. وعن حذيفة والبراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنهما:
كنا نتذاكر الساعة إذا شرف علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «ما تتذاكرون» ؟ قلنا: نتذاكر الساعة. قال: «إنها لا تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: (فَقَدْ جاءَكُمْ) جواب شرط مقدر أي إن صدقتم فيما كنتم تعتذرون عن أنفسكم فقد جاءكم او إن كنتم كما تزعمون أنكم إذا أنزلنا عليكم كتابا تكونون أهدى من اليهود والنصارى فقد جاءكم حذف الشرط فدل عليه بالفاء الفصيحة كما في قوله:
فقد جئنا خراسانا
ولما وصف اللّه تعالى القرآن العظيم بأنه كتاب مبارك بكون ابتاعه سببا للرحمة وأنه بينة نازلة من قبل الرب الكريم وهدى ورحمة عظم كفر به وصدف عنه ومنع غيره عن اتباعه، لأن الأول ضلال والثاني إضلال فمن جمع بينهما فقد وقع في غاية الاختلال. قوله: (أي ما ينتظرون) إشارة إلى أن «هل» استفهام معناه النفي «وأن ينظرون» بمعنى ينتظرون فإن النظر يستعمل في معنى الانتظار وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور الثلاثة: وهي مجيء الملائكة أو مجيء الرب أو مجيء الآيات القاهرة من الرب، كأنه قيل:
إني أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا فما ينتظرون إلا أحد هذه الأمور.
قوله: (بجزيرة العرب) هي ناحية من أرض العرب يحيط بها بحر فارس وبحر السودان ونهرا دجلة والفرات. روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن اللّه تعالى جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله وذلك قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ فإن الإيمان إنما ينفع صاحبه إذا كان عن برهان رغما للشيطان وتعبدا للرحمن