فهرس الكتاب

الصفحة 2176 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 279

تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتوا وانهماكا في الغي. وإنما عرّف الجنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات ونكر السيئة وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد لها إلا بالتبع. أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمه ومشيئته أو سبب شؤمهم عند اللّه وهو أعمالهم المكتوبة عنده فإنها التي ساقت إليهم ما يسؤهم. وقرئ «إنما طيرهم» وهو اسم جمع وقيل: هو جمع. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) أن ما يصيبهم من اللّه أو من شؤم أعمالهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكانت العرب تزجر الطير فتتشاءم بالبارح، وتتبرك بالسانح، والسانح من الطير ما يجيء من جهة يمين الإنسان ويجوز إلى جهة يساره فلا يمكن رميه حتى ينحرف الرامي إليه. وقال رؤية: السانح ما أولاك ميامنه والبارح ما أولاك مياسره. وقيل: إن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة ذهب إلى الطير في وكرها ينفرها فإذا أخذت يمينا مضى إلى حاجته وهذا هو السانح عندهم، وإذا أخذت شمالا رجع وهذا هو البارح عندهم. فنهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك بقوله: «أقروا الطير على وكناتها» الوكنة موقع الطير حيث ما وقعت.

والجمع وكنات ووكنات ووكن. وقال عليه الصلاة والسّلام: «من رجعه التطير عن حاجته فقد أشرك» قيل: وما كفارة ذلك يا رسول اللّه؟ قال: «أن يقول أحدكم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي إلى حاجته» . فلما جعلوا الطائر أمارة ودليلا على الشؤم وهو ضد اليمن سمى الشؤم طائرا وطيرا تسمية للمدلول باسم الدليل. هذا وجه ما نقل عن الأزهري وهو المنقول عن ابن عباس أيضا حيث قال: قوله أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يريد به أن شؤمهم من قبل اللّه تعالى أي إنما جاءهم الشر بقضاء اللّه تعالى وحكمه. فسر الطائر هنا بالشؤم الذي هو سبب ما نال الإنسان من الشر. وإليه أشار المصنف بقوله: «أي» سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمه ومشيئته» وبقوله: «أو سبب شؤمهم» الخ بتقدير المضاف والمعنى على التقديرين: كل ما يصيبهم من خير وشر فهو بقضاء اللّه تعالى وتقديره وحكمه ومشيئته. قال الفراء: وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلّت أمطارنا منذ أتانا وكثرت أمواتنا. ثم أعلم اللّه تعالى على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن طيرتهم باطلة فقال: «لا طيرة ولا هام» وكان عليه الصلاة والسّلام يتفاءل ولا يتطير.

وأصل الفأل الكلمة الحسنة وكانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد. فأثبت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الفأل وأبطل الطيرة. والفرق بينهما أن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية والطيرية فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها بخلاف طيران الطير وحركات البهائم، فإن أرواحها ضعيفة فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت