حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 341
الشَّمْسِ [الإسراء: 78] ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها، وكأنّه إشارة إلى الحكمة في إخفائها. لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً إلا فجأة على غفلة كما قال عليه السّلام: «إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوّم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه» .
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها عالم بها. فعيل من حفى عن الشيء إذا سأل عنه، فإن من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث عنه استحكم علمه به ولذلك عدّي ب «عن» .
وقيل: هو صلة «يسألونك» . وقيل: هو من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشا قالوا له: إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة. والمعنى يسألونك عنها كأنك حفي تتحفى بهم فتخصّهم لأجل قرابتهم بتعليم وقتها. وقيل: كأنك حفي من حفي بالشيء إذا فرح ومعناه كأنك حفي بالسؤال عنها تحبّه أي وأنت تكرهه لأنه من الغيب الذي استأثر اللّه بعلمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عظمت على أهلها) إشارة إلى أن المراد بثقل الساعة في السموات والأرض ثقلها بالنسبة إلى أهلها، وأن كلمة «في» بمعنى «على» كما في قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: 71] أي عظمت على أهلها خوفا من شدائدها وما فيها من الأهوال ومن جملة أهوالها فناء من في السموات والأرض وهلالكهم وذلك ثقيل على القلوب. وقيل:
المراد ثقلها بالنسبة إلى نفس السموات والأرض من حيث إنهما لا يطيقان مجيء الساعة بتشقق السماء وتكور الشمس والقمر وانتثار النجوم وتزلزل الأرض ورجفانها وتبدلها غير الأرض المعهودة وبطلان الجبال والبحار.
قوله: (فعيل من حفي عن الشيء) يعني أن حفي معناه الأصلي الحقيقي استقصى في السؤال عنه وتعلمه بأقصى ما يمكن، ومن استقصى في تعلم الشيء وبالغ في السؤال عنه يلزمه أن يستحكم علمه فيه ويكون ماهرا في العلم به، فلذلك كنى بقوله تعالى: حَفِيٌّ عَنْها عن معنى عالم بها. ولما ورد أن يقال: لو كان الحفي بمعنى العالم لوجب أن يعدى بالباء فكيف قيل: حَفِيٌّ عَنْها أجاب عنه بأن الحفارة لما كان أصل معناها الاستقصاء في السؤال كان معنى السؤال ملحوظا في معناها الكنايي فعدى تعديته. وقيل: إنما يرد الإشكال على تقدير أن تكون «عنها» متعلقة بقوله: «حفى» وليس كذلك بل هي متعلقة «بيسألونك» وقوله: «كأنك حفى» معترض بينهما وصلة «حفى» محذوفة وتقدير الكلام يسألونك عنها كأنك حفي بها. قوله: (وقيل هو من الحفاوة بمعنى الشفقة) عطف على قوله عالم بها.
الجوهري: حفيت به بالكسر حفاوة وتحفيت به أي بالغت في إلطافه وإكرامه. انتهى. ومنه قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم: 47] أي بارا لطيفا يجيب دعائي. فمعنى الآية:
يسألونك كأنك صديق لهم بار بهم وأنت لا تكون حفيا بهم ما داموا على كفرهم. وقيل: