حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 342
قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ كرّره لتكرير «يسألونك» لما نيط به من هذه الزيادة وللمبالغة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) أن علمها عند اللّه لم يؤته أحدا من خلقه.
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا جلب نفع ولا دفع ضرّ وهو إظهار العبودية والتبرّئ من ادّعاء العلم بالغيوب إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ولو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع واجتناب المضارّ حتى لا يمسّني سوء إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وما إنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) فإنهم المنتفعون بهما. ويجوز أن يكون متعلّقا بالبشير ومتعلق النذير محذوفا.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هو آدم وَجَعَلَ مِنْها من جسدها من ضلع من أضلاعها أو من جنسها كقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا [النحل: 72] زَوْجَها حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها ليستأنس بها ويطمئنّ إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه. وإنما ذكّر الضمير ذهابا إلى المعنى ليناسب فَلَمَّا تَغَشَّاها أي جامعها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هو فعيل من قولهم حفيت به حفاوة وتحفيت تحفيا أي فرحت به وبششت. فالمعنى يسألونك كأنك حفي تسر وتفرح بالسؤال عنها والحال أنك تكره السؤال عنها لأنها من علم الغيب الذي استأثر اللّه له ولم يؤته أحدا من خلقه. وعلى الوجوه كلها قوله تعالى: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها في محل النصب على أنه حال من مفعول يسألونك أي مشبها حالك بحال الحفي نظرا إلى زعمهم واعتقادهم. قوله: (لما نيط به) علة لتكرير يسألونك وقوله للمبالغة أي في إنكار سؤالهم علة لزيادة قوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها وتكرير اللفظ لفائدة زائدة بتكرار في الحقيقة. قوله: (والتبرئ من ادعاء العلم بالغيوب) فإن من لا يعلم نفعه في أي الأشياء ومضرته في أيها كيف يحصل عنده علم وقت قيام الساعة ونظيره قوله تعالى في سورة يونس: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [يونس: 48، 49] قيل لما رجع عليه الصلاة والسّلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق نفرت الدواب منها فأخبر عليه الصلاة والسّلام بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ المنافقين. وقال عليه الصلاة والسّلام: «انظروا» أين ناقتي» فقال عبد اللّه بن أبي ابن سلول: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف ناقته. قال عليه الصلاة والسّلام: «إن ناسا من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة» فوجدوها على ما قال فأنزل اللّه تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا. قوله: (وإنما ذكر الضمير) أي ضمير قوله: «ليسكن» مع رجوعه إلى النفس وقد