حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 372
فَثَبِّتُوا [الأنفال: 12] وفيه دليل على أنهم قاتلوا ومن منع ذلك جعل الخطاب فيه مع المؤمنين إما على تغيير الخطاب أو على أن قوله سَأُلْقِي إلى قوله: كُلَّ بَنانٍ تلقين للملائكة ما يثبّتون المؤمنين به كأنه قال: قولوا لهم قولي هذا فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أعاليها التي هي المذابح أو الرؤوس. وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12) أصابع أي حزّوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.
ذلِكَ إشارة إلى الضرب أو الأمر به. والخطاب للرسول أو لكل أحد من المخاطبين قبل. بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بسبب مشاقتهم لهما. واشتقاقه من الشق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإنه لما بيّن أن قوله: أَنِّي مَعَكُمْ معناه الإعانة ولا إعانة أعظم من ألقاء الرعب في قلوب الأعداء، وذلك لأن القلب هو الحاكم في البدن وأميره، وقد مر أنه تعالى ربط قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف عنها. ذكر ههنا أنه أعان المؤمنين بأن ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين فكان تقوية قلوب أنفسهم وتخويف قلوب أعدائهم من أعظم نعم اللّه تعالى عليهم، فظهر أن قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ كالتفسير لقوله: أَنِّي مَعَكُمْ وقوله:
فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ كالتفسير لقوله: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا إذ لا تثبيت أقوى من ضرب أعناق الأعادي. فسر الجملة الخبرية بالخبرية والإنشائية بالإنشائية فلذلك لم يعطف قوله:
«سَأُلْقِي» على ما قبله.
قوله: (وفيه دليل على أنهم قاتلوا) أي في قوله تعالى للملائكة: أَنِّي مَعَكُمْ في إعانتكم للمؤمنين دليل على ذلك لأن إعانة المقاتلين إنما تكون بالمشاركة معهم في القتال.
قوله: (ومن منع ذلك) أي من منع مقاتلة الملائكة يوم بدر جعل الخطاب في قوله: «إني معكم» للمؤمنين ليكون له معنى مغاير لمعنى قوله: «سألقي» . وقال: المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم. وأيد هذا المعنى بأن أني مع فلان إنما يقال إذا كان الفلان خائفا ويقصد به إزالة خوفه والملائكة ما كانوا يخافون الكفار حتى يقال لهم إني معكم إزالة لخوفهم وإنما الخائف منهم هم المسلمون. فينبغي أن يكون الخطاب فيه مع المؤمنين إما على تغيير الخطاب بأن انتقل من خطاب الملائكة إلى خطاب المؤمنين بناء على أنه لا غائب بالنسبة إليه تعالى فيخاطب من يشاء من خلقه. وإما على أن يكون قوله تعالى: سَأُلْقِي تلقينا من اللّه تعالى للملائكة أن يقولوا للمؤمنين تثبيتا لهم في المعركة إن اللّه تعالى قال لهم سألقي الخ. وإما على أن يكون الخطاب في قوله: أَنِّي مَعَكُمْ للملائكة ولا يكون سَأُلْقِي تفسيرا له بل يكون تفسيرا لقوله: فَثَبِّتُوا وعلى هذا يكون الخطاب في قوله: (فاضربوا للمؤمنين) صادرا من الملائكة حكاه اللّه تعالى لنا ويكون فصل