حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 425
قصتها تشابه قصة الأنفال وتناسبها لأن في الأنفال ذكر العهود وفي براءة نبذها فضمت إليها. وقيل: لما اختلفت الصحابة في أنهما سورة واحدة هي سابعة السبع الطول أو سورتان تركت بينهما فرجة ولم تكتب بسم اللّه.
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي هذه براءة من اللّه. و «من» ابتدائية متعلقة بمحذوف تقديره واصلة من اللّه ورسوله. ويجوز أن تكون براءة مبتدأ لتخصصها بصفتها والخبر إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) وقرئ بنصبها على اسمعوا براءة. والمعنى إنّ اللّه ورسوله بريئان من العهد الذي عاهدتم به المشركين. وإنما علّقت البراءة باللّه ورسوله والمعاهدة بالمسلمين للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم وإن كانت صادرة بإذن اللّه تعالى واتفاق الرسول فإنهما بريئان منها. وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا إلا أناسا منهم بني ضمرة وبني كنانة فأمرهم بنبذ العهد إلى الناكثين وأمهل المشركين أربعة أشهر ليسيروا أين شاؤوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعاهدين ليس فيها أمان وبسم اللّه الرحمن الرحيم لكونه مفتاح سلم ورحمة وبركة أمان، فلا يليق أن يكتب في أول سورة افتتحت بالمقاتلة ونبذ العهود. قوله: (لأن في الأنفال ذكر العهود وفي براءة نبذها) وأنه ختم سورة الأنفال بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية. ثم إنه صرح بهذا المعنى في قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فلما كان هذا عين ذلك الكلام وتأكيدا له ضمت هذه السورة إليها ولم يكتب بينهما بسم اللّه الرحمن الرحيم لأن كتابتها بينهما تدل على كونهما سورتين متغايرتين. قوله:
(وقيل) يعني أنه لما ظهر الاختلاف بين الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم في أنها سورة واحدة أو سورتان تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان وما كتبوها بينهما على قول من يقول سورة واحدة. قوله: (أي هذه براءة) على أن «براءة» خبر مبتدأ محذوف «ومن» متعلقة بمحذوف هو صفة الخبر وهو نظير قوله كتاب من فلان. ثم جوّز أن تكون مبتدأ مخصصا بالصفة و «إلى الذين» خبره كقولك: رجل من بني تميم في الدار. والبراءة معناها انقطاع العصمة يقال: برئت من فلان أبرأ براءة أي انقطعت بيننا النسبة ولم يبق بيننا علقة، ومنه برئت من الدين. قوله: (وإنما علقت البراءة) يعني أن المعاهدة لما تحققت بالمسلمين كان حق البراءة أن تنسب إليهم لأن البراءة إنما تكون من قبل المجاهدة فكيف نسبت إلى اللّه تعالى؟ وتقرير الجواب نعم إن عقد المعاهدة قام بالمؤمنين إلا أنهم إنما عاهدوا بإذن اللّه تعالى في معاهدة المشركين بقوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ورأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمتولي للعهد هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولكنهم أدخلوا في الخطاب لأنهم راضون بقوله ومتفقون عليه فكأنهم عقدوا وعاهدوا. قوله: (فأمرهم بنبذ العهد إلى الناكثين وأمهل المشركين) فأما