حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 426
فقال: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم لأنها نزلت في شوال. وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر، لأن التبليغ كان يوم النحر لما روي أنها لما نزلت أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليّا رضي اللّه تعالى عنه راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم وكان قد بعث أبا بكر رضي اللّه عنه أميرا على الموسم فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال:
«لا يؤدّي عني إلّا رجل مني» . فلما دنا عليّ رضي اللّه تعالى عنه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رعاء ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. فلما لحقه قال: أمير أم مأمور؟ قال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذين لم ينقضوا العهد ولم يظاهروا أحدا على المؤمنين فقد أمر اللّه تعالى بإتمام العهد بينهم في المدة المعهودة حيث قال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [التوبة: 7] إلى قوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ [التوبة: 4] وقال: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [التوبة: 7] أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. روي أنه عليه الصلاة والسّلام لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا بالأراجيف جعل المشركون ينقضون العهد فأمر اللّه تعالى بنقض عهودهم. والمعنى فقد برئ اللّه ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء بها إذا نكثوا، ويجوز له عليه الصلاة والسّلام أن ينقض العهد بأحد ثلاثة أمور: الأول أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد إليهم حتى يستووا في معرفة نقض العهد لقوله تعالى وأما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء. والثاني أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلا أن يأمر اللّه تعالى بقطعه فلما أمر اللّه تعالى بقطع العهد بينهم قطعه لأجل الشرط. والثالث أن يكون العهد مؤجلا فتنقضي المدة وينقضي العهد بانقضائها فحينئذ يكون الغرض من إظهار البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود إلى العهد وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة. ولا يجوز له عليه الصلاة والسّلام نقض العهد في غير هذه الأحوال الثلاث لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول واللّه ورسوله بريئان منه.
قوله: (فقال فسيحوا) إشارة إلى أن قوله تعالى: فَسِيحُوا على إضمار القول أي قل لهم سيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين. والسياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن البلد ومواضع العمارة. وليس ذلك من باب الأمر بل المقصود الإباحة والإطلاق والإعلام لحصول الأمان وإزالة الخوف. والمعنى أنكم آمنون من القتل في هذه المدة. ثم إنكم بعد انقضاء تلك المدة حرب للّه ولرسوله تحاربون وتقتلون حيث أدركتم وتؤسرون إلى أن تتوبوا. والمقصود من هذا الإعلام أمور: الأول أن يتفكروا في أنفسهم ويحتاطوا في أمرهم ويعلموا أن ليس لهم بعد هذه المدة إلا الإسلام أو السيف فيصير ذلك