حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 427
مأمور. فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه وحدّثهم عن مناسكهم، وقام عليّ يوم النحر عند جمرة العقبة وقال: يا أيها الناس إنّي رسول رسول اللّه إليكم.
فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية. ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلّا كل نفس مؤمنة وأن يتمّ إلى كل ذي عهد عهده. ولعل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يؤدّي عني إلا رجل مني» ليس على العموم، فإنه عليه السّلام بعث لأن يؤدّي عنه كثيرا لم يكونوا من عترته بل هو مخصوص بالعهود فإن عادة العرب أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل منها. ويدل عليه أنه في بعض الروايات: «لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي» وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ لا تفوتونه وإن أمهلكم وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2) بالقتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاملا لهم على الإسلام. والثاني أن لا ينسب المسلمون إلى الخيانة ونقض العهد فإن المسلمين لو قاتلوهم عقيب إظهار النقض فربما يسبق إلى الوهم ذلك فأمهلوا هذه المدة ليستعدوا للحرب ويعدوا آلاتها، وفي ذلك تنزيه المؤمنين عن الخيانة وإظهار شوكتهم وقوتهم وعدم التفاتهم إلى الكفرة واستعدادهم للحرب. واختلف في ابتداء هذه الأشهر الأربعة؛ فقيل: إن سورة براءة أنزلت في شوال فيكون ابتداء الأربعة أشهر من شوال إلى انتهاء المحرم. وقيل: إنها وإن نزلت في شوال إلا أن قراءتها على الكفار وتبليغها إليهم كان يوم الحج الأكبر. والصواب الذي عليه الأكثر أن ابتداء هذه المدة اليوم العاشر من ذي الحجة إلى انقضاء عشر من ربيع الآخر. وقيل: ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي كان فيها.
ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع. ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسّلام: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السموات والأرض» . روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عاهد قريشا يوم الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ودخلت خزاعة في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ودخل بنو بكر في عهد قريش. ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره أن قريشا أخلفوك الموعد ونقضوا ميثاقهم المؤكد. فقال عليه الصلاة والسّلام: «لا نصرت إن لم أنصرك» ثم تجهز إلى مكة ففتح مكة سنة ثمان من الهجرة فلما كان سنة تسع أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحج ثم قيل له: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فبعث أبا بكر رضي اللّه عنه تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج ثم بعث بعده عليا على ناقته العضباء ليقرأ على الناس