حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 527
والمهاجرين والأنصار لقوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا [النور: 31] إذ ما من أحد إلّا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ في وقتها. وهي حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد والزناد حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة والماء حتى شربوا الفظّ. مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عن الثبات على الأيمان أو اتباع الرسول وفي «كادَ» ضمير الشأن أو ضمير القوم والعائد عليه الضمير في «مِنْهُمْ» . وقرأ حمزة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرط منه قبل البعثة أو بعدها. فإنه تعالى لما استقصى في شرح غزوة تبوك أحوال المخلفين عنها ذكر في هذه الآية حكما آخر من أحكامها وهو أنه تعالى تاب أي تجاوز وصفح عما فرط وصدر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم وعن المؤمنين مما يعد زلة في حقهم أي شيء كان لما أصابهم في ترك الغزو من الشدائد. قال الإمام: الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات إما من باب الصغائر أو من باب ترك الأولى. ثم إنه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه من المؤمنين لما تحملوا مشاق هذا السفر وصبروا على شدائده أخبر اللّه تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرا، لجميع ما فرط منهم من الزلات وصار قائما مقام التوبة المقرونة بالإخلاص. فلذلك قال اللّه تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ الآية. عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: لما نزلت هذه السورة وفي آياتها بيان معاملات المنافقين على التفصيل ظننا أنه لا يبقى أحد منا إلا نزل فيه قرآن وسميت الفاضحة، إلى أن نزلت هذه الآية فلما نزلت سميت بسببها سورة التوبة. قوله: (حتى شربوا الفظ) وهو ماء الكرش. عن عمر رضي اللّه عنه قال: خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد حتى إن الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول اللّه إن اللّه وعدك بدعائك خيرا فادع اللّه لنا. قال: «نعم» فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأنا أوعيتنا ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت المعسكر. وفيها كانت قصة دعائه بتمر قليل وجعله في قصة ودعائه بالبركة حتى أخذ الناس وهم أكثر من ثلاثين ألفا أزوادهم والتمر بحاله. وفيها كانت قصة وضعه كفيه في ماء قليل وانفجار الماء من أصابعه العشر حتى شربوا وسقوا دوابهم. قوله: (وفي كاد ضمير الشأن أو ضمير القوم) أي الذي دل عليه ذكر المهاجرين والأنصار. و «قلوب» مرفوع «بتزيغ» والجملة في محل النصب على أنها خبر «كاد» ولا بد في الجملة التي تكون خبرا عن ضمير الشأن من ضمير يعود إلى اسمها وهو الضمير في منهم. وهذا الإعراب خلاف ما اشتهر في النحو من أن خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا مضارعا رافعا لضمير اسمها، فإذا قدرنا فيها ضمير الشأن أو ضمير القوم كانت الجملة التي بعدها خبرا لها ولا يكون المرفوع فيها ضميرا راجعا