فهرس الكتاب

الصفحة 2473 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 574

الشرائع ولكن لا يقبلون كالأصم الذي لا يسمع أصلا. أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ تقدر على إسماعهم وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (42) ولو انضم إلى صممهم عدم تعلقهم. وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره. وعقولهم لما كانت مؤوفة بمعارضة الوهم ومشايعة الألف والتقليد تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ يعاينون دلائل نبوتك ولكن لا يصدقونك أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ تقرير على هدايتهم وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (43) وإن انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة فإن المقصود من الإبصار هو الاعتبار والاستبصار. والعمدة في ذلك البصيرة ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق.

والآية كالتعليل للأمر بالتبري والإعراض عنهم إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا بسلب حواسهم وعقولهم وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) بإفسادها وتفويت منافعها عليها. وفيه دليل على أن للعبد كسبا وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة. ويجوز أن يكون وعيدا لهم بمعنى أن ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من اللّه لا يظلمهم به ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقبلون كلامك ويهتدون بدعوتك وإرشادك. والمقصود من نفس هذا الكلام إعلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأنهم قد بلغوا في مرض العقل إلى حيث لا يقبلون الصلاح، والطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج أعرض عنه لأنه يستوحش من عدم قبوله العلاج، فكذلك وجب عليك أن تتبرأ منهم ولا تنفعل من إصرارهم على التكذيب. وهذا معنى قوله: أي المصنف، و «الآية كالتعليل للأمر بالتبري» . قوله: (وفيه تنبيه الخ) أي في أن استماع الأصم العديم العقل أبعد من استماع الأصم العاقل تنبيه على أن حقيقة الاستماع ليست عبارة عن مجرد وصول الهواء المكيف بكيفية الصوت إلى الصماخ السليم، وإلا فكان الأصم العاقل وغيره سواء في عدم الاستماع ولم يكن استماع غير العاقل أبعد من استماع العاقل بل هي متوقفة على سلامة كل واحد من الصماخ والعقل، واستماع واحد منهما على وجه يؤدي إلى ارتسام المعنى المقصود من الكلام في المدركة. فلذلك كان الاستماع بعيدا منكرا بمجرد تحقق الصمم وانتفاء سلامة الصماخ، وعند انتفاء كل واحد منهما كان أبعد وأتم في كونه منكرا كما قال تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ قوله: (بسلب حواسهم) لما حكم اللّه عليهم بأنهم مسلوبو العقل والحواس فلا يدركون حسن الإيمان ولا يقبلونه ولا يسمعون كلام الداعي سماع قبول، ولا يبصرون شواهد صدقه في دعوة النبوة رؤية اعتبار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت