فهرس الكتاب

الصفحة 2482 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 583

هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ في الدنيا فهو يقدر عليهما في العقبى لأن القادر لذته لا تزول قدرته والمادة القابلة بالذات للحياة والموت قابلة لهما أبدا. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) بالموت أو النشور.

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) أي قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها والمرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح.

والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وهدى إلى الحق واليقين ورحمة للمؤمنين حيث أنزلت عليهم فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان والتنكير فيها للتعظيم.

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ بإنزال القرآن. والباء متعلقة بفعل يفسره قوله:

فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فإن اسم إشارة بمنزلة الضمير تقديره: بفضل اللّه وبرحمته فليعتنوا أو فليفرحوا فبذلك فليفرحوا. وفائدة ذلك التكرير التأكيد والبيان بعد الإجمال وإيجاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محاسن الأعمال وما يضره من القبائح والترغيب في المحاسن والزجر عن القبائح، والعلم الكافل بهذا البيان هو الحكمة العملية التي هي الموعظة وكونه شفاء لاشتماله على الحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الأمراض القلبية. قوله: (بإنزال القرآن) إشارة إلى أن فضل اللّه ورحمته عبارتان عن إنزال القرآن لأن هذه الآية متصلة بالآية الأولى وهي في ذكر القرآن وقد وصفه اللّه تعالى بالرحمة في الآية، وقال في آية أخرى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ [الجمعة: 2] إلى أن قال: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ [الحديد: 21] كأنه قيل: قل يا محمد لهؤلاء الذين همتهم جمع الأموال والتزين بزخارف الدنيا بفضل اللّه وبرحمته افرحوا لا بالأموال والحظوظ الفانية السريعة الزوال. روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «بفضل اللّه وبرحمته أي بكتاب اللّه والإسلام» . قوله: (والباء متعلقة بفعل يفسره فليفرحوا) أعني أن قوله تعالى: بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ لا بد له من متعلق ومتعلقه لا يكون «فليفرحوا» المذكور لأنه متعلق لقوله: «فبذلك» فلا بد أن يتعلق بمقدر والمقدر لا بد له من قرينة تدل عليه ولا قرينة سوى الفعل المذكور بعد قوله: «فبذلك» . وذلك الفعل وإن كان متعلقا لقوله بذلك إلا أن اسم الإشارة لما كان بمنزلة الضمير كان بمنزلة أن يقال: فبهما فليفرحوا وهو ظاهر. وأما كونه مفسرا بتقدير: فليعتنوا فلاح الفرح بالشيء إنما يكون بالاعتناء بشأنه مع أن له قرينة أخرى وهي أن قوله تعالى: فَبِذلِكَ إشارة إلى فضل اللّه ورحمته وقد تقدم على الفعل فتقديمه يدل على الاعتناء بشأنهما، وتكرير الأمر بتخصيص الفرح بالفضل والرحمة يفيد التأكيد لا محالة مع أن العامل أجمل فيما ذكره أولا وبيّن في الثاني، ولا شك أن تبيين شيء أجمل أوقع في النفس. والتقرير وأيضا التكرير على الوجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت