فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 602
المقصود عرض ضلالاتهم وكفرانهم تقدمة لقوله: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي أهلكها. والطمس المحق. وقرئ «واطمس» بالضم وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي واقسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (88) جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهي أو عطف على «لِيُضِلُّوا» وما بينهما دعاء معترض.
قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما يعني موسى وهارون عليهما السّلام لأنه كان يؤمن فَاسْتَقِيما فأثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته. روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة. وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) طريق الجهلة في الاستعجال أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد اللّه. وعن ابن عامر برواية ابن ذكوان «ولا تتبعان» بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين. «ولا تتبعان» من تبع ولا تتبع ولا تتبعان أيضا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيكون لفظ «ربنا» تكريرا للأول تقدمة. واعلم أن الأشاعرة استدلوا بهذه الآية على أنه تعالى يضل الناس ويريد إضلالهم من وجهين: الأول أن اللام في قوله تعالى: لِيُضِلُّوا لام التعليل والمعنى أنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا وهذا صريح في أنه تعالى يريد إضلالهم. والثاني أن موسى عليه الصلاة والسّلام لما دعا بقوله: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا قال: قد أجيبت دعوتكما ولو لا أنه تعالى يريد ذلك لمن يشاء لما حسن من موسى عليه الصلاة والسّلام أن يسأل ويقول: اقس قلوبهم واطبع عليها حتى تكون قاسية ولا تلين ولا تنشرح للإيمان ولما قال تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما. وقالت المعتزلة في جواب الأشاعرة: لا يجوز أن يكون المراد من الآية ما ذكر لأنه تعالى منزه عن فعل القبائح وإرادة الكفر قبيحة فوجب أن لا تكون اللام فيه للتعليل بل تكون لام العاقبة، فإن عاقبة قوم موسى لما كانت هي الضلال عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ على سبيل الاستعارة التبعية. أو تكون لام الدعاء وفيه مراعاة التئام الكلام لا يراد الأدعية مسوقة على نسق واحد. قوله: (والطمس المحق) وهو المحو والإبطال. قال أكثر المفسرين في قوله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي امسخها وغيرها عن هيئتها لأنهم يستعينون بنعمتك على معاصيك وإنما أمرتهم بأن يستعينوا بها على طاعتك وسلوك سبيلك. روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: قد بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئة الدراهم والدنانير وصارت كنوزهم حجارة.
قوله: (جواب للدعاء) يعني أنه في محل النصب على أنه جواب «اطمس» و «اشدد» وفي محل الجزم على أنه دعاء في صورة النهي كقوله:
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم