حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 615
منقولة من حكم بالضم إذا صار حكيما لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية. ثُمَّ فُصِّلَتْ بالفرائد من العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار أو بجعلها سورا أو بالإنزال نجما أو فصّل فيها ولخص ما يحتاج إليه. وقرئ «ثم فصّلت» أي فرقت بين الحق والباطل وأحكمت آياته ثم فصلت على البناء للمتكلم، وثم للتفاوت في الحكم أو للتراخي في الإخبار مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) صفة أخرى «لكتاب» أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والرسل واليوم الآخر وما فيه من نحو الصراط والميزان. وإما عملية متعلقة بكيفية العمل وهي قسمان: أحدهما ما يتعلق بتهذيب الأعمال الظاهرة وبالأحوال الباطنة وهو علم التصفية ورياضة النفس ولا يوجد في العالم كتاب يساوي القرآن الكريم والكتاب الحكيم في بيان هذه المطالب المهمة. قوله: (ثم فصّلت بالفرائد من العقائد) بالفرائد متعلق «بفصلت» ومن العقائد بيان للفرائد يقال: عقد مفصل إذا جعل بين كل لؤلؤتين خرزة فمعنى قوله تعالى:
ثُمَّ فُصِّلَتْ أن آياته زينت بالفرائد كما زينت القلائد بالفرائد.
قوله: (أو بجعلها سورا) معنى جعل آيات هذه السورة الكريمة سورا ذكر معاني هذه السورة وآياتها في سور متفرقة وآيات متعددة من التفصيل بمعنى التفريق. وكذا إذا كانت «فصلت» بمعنى أنزلت نجما نجما أي وقتا وقتا، فإن النجم في الأصل اسم للكوكب الطالع ثم نقل إلى الوقت لأنهم يعرفون أوقات بطلوع النجم. ومنه قول الإمام الشافعي: أقل التأجيل نجمان أي شهران. قوله: (أو فصّل فيها) أي بين ولخص فيها ما يحتاج إليه العباد، فإن التفصيل يستعمل بمعنى التبيين أيضا. قوله: (وثم للتفاوت في الحكم) أي للتراخي في الرتبة لا للتراخي في الوقوع في الزمان، فإن تفصيل آياتها ليس متراخيا عن أحكامها بحسب الزمان بل هو متراخ عنه بحسب الرتبة. فإن التفصيل بأي معنى كان أقوى وأدخل في المدح بالنسبة إلى الأحكام. قوله: (أو للتراخي في الإخبار) فإن الشائع في الجمل أن يراد بها نفس مفهومها إلا أنه قد يراد بها الإخبار بمفهومها كما سبق في جزاء الشرط. والظاهر أن المراد من التراخي هو مجرد الترتيب فظهر أن حقيقة التراخي منتفية بين الإخبارين ضرورة أن الإخبار بالتفصيل وقع عقيب الإخبار بالأحكام. قوله: (صفة أخرى لكتاب) فإن «أحكمت» في محل الرفع على أنه صفة «لكتاب» فيكون تقدير الكلام: الر كتاب من لدن حكيم خبير.
وإن كان خبرا بعد خبر يكون التقدير: الر من لدن حكيم خبير. وإن كان صلة أي معمولا لأحد الفعلين من حيث صناعة الإعراب على سبيل التنازع يكون متعلقا بهما من حيث المعنى ويكون المعنى: أحكمها حكيم وفصلها أي شرحها وبينها خبير عالم بكيفيات الأمور. وعلى كل تقدير يكون المقصود منه تقرير أحكامها وتفصيلها. فإنه لما وصف من أنزلها وأحكمها وفصلها بأنه رب حكيم أي محكم للأمور واضع كل شيء موضعه، وبأنه خبير لا يعزب عنه