فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 4، ص: 711
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ إلا ناسا هداهم اللّه من فضله فاتفقوا على ما هو أصول دين الحق والعمدة فيه. وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ إن كان الضمير «للناس» فالإشارة إلى الاختلاف واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة. وإن كان «لمن» فإلى الرحمة وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وعيده أو قوله للملائكة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أي من عصاتهما أَجْمَعِينَ (119)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذين لم ينهوا. ثم إنه تعالى لما بيّن أن سبب إهلاك الأمم السالفة أمران: الأول فشو الظلم فيما بينهم والثاني اتباعهم الشهوات بيّن أنه ليس من شأنه ولا يصح له أن يهلك القرى بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين في المعاملات الواقعة فيما بينهم. والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في إيذاء الخلق وظلمهم. ولهذا قال الفقهاء: إن حقوق اللّه تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح. ويقال في الأثر «الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم» . واللام في قوله تعالى: لِيُهْلِكَ لام الجحود وينتصب الفعل بعدها بإضمار «أن» وهي متعلقة بخبر «كان» المحذوف والتقدير: وما كان اللّه مريدا لإهلاك القرى بمجرد الظلم. والمراد به ههنا الشرك لقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] وهذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: «يهلك» خبر «كان» زيدت اللام فيه دلالة على التأكيد و «بظلم» متعلق «بيهلك» والباء فيه سببية. وجوز الزمخشري عفا اللّه عنه أن يكون حالا من فاعل «لِيُهْلِكَ» وقوله: وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ جملة حالية.
قوله: (إلا ناسا الخ) إشارة إلى أن الاستثناء متصل من الضمير في «مختلفين» وإن جاز كونه استثناء من فاعل «يزالون» ولا ضرورة تدعو إلى جعله استثناء منقطعا بمعنى لكن من رحم لم يختلفوا. قوله: (واللام للعاقبة) لا للعلة لأن أفعاله تعالى غير معللة، ولأنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وإرادة منهم لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه إذا كانوا مطيعين له تعالى بذلك الاختلاف وكانت الآية حينئذ مخالفة لقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56] . قوله: (أو إليه وإلى الرحمة) أي إن كان الضمير «للناس» يجوز أن تكون الإشارة الاختلاف وإلى الرحمة كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في رواية عطاء: يريد أنه تعالى خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف، وخلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا. وهذا اختيار الفراء والزجاج. قال الزجاج رحمه اللّه: ويدل على صحة هذا قوله تعالى بعده: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قال الكلبي رحمه اللّه: يريد من كفار الجن وكفار الإنس. وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقواما للهداية والجنة وأقواما للضلالة والنار. و «أجمعين» تأكيد والأكثر أن يسبق بكل وقد