فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 9
بالمصدر وعلّله بقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) ظاهر العداوة كما فعل بآدم عليه السّلام وحواء فلا يألو جهدا في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد.
وَكَذلِكَ أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ للنبوة والملك أو لأمور عظام. والاجتباء من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك وَيُعَلِّمُكَ كلام مبتدأ خارج عن التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك. مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ من تعبير الرؤيا لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة وأحاديث النفس والشيطان إن كانت كاذبة. أو من تأويل غوامض كتب اللّه تعالى وسنن الأنبياء وكلمات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تُنْظِرُونِ [هود: 55] فعلى هذا الظاهر أن يقال: فيكيدوك إلا أنه عدى باللام لتضمنه معنى فعل يتعدى باللام كأنه قيل: فيكيدوك محتالين لك أو فيحتالوا كائدين. والنكتة في اعتبار التضمين أن يفيد تأكيد التخويف وتقويته بأن يفيد معنى فعل الكيد مع إفادة معنى الفعل المضمن فيكون آكد وأبلغ في التخويف، ولكون المقام مقام التأكيد وكونه المقصود آكد بمصدره. والكيد الاحتيال للاغتيال وهو طلب إيصال الشر إلى الغير وهو غير عالم به.
قوله: (وكما اجتباك) أي مثل اجتبائك واختيارك واصطفائك من بين إخوتك لهذه الرؤيا.
على أن الكاف في محل النصب على أنه صفة مصدر محذوف والمعنى: يجتبيك اجتباء مثل ذلك الاجتباء العظيم، وجباية الشيء لنفسك عبارة عن الاختيار والاصطفاء. وكان يعقوب قصد بهذا الكلام أن يعبر رؤيا ابنه الدالة على شرف وعز وكمال نفس فذكر ثلاثة أمور:
الأول اجتباؤه لأمر عظيم غير اجتبائه لهذه الرؤيا، والثاني أن يعلمه تأويل الأحاديث، والثالث أن يتم نعمته عليه ولم يجعل التعليم مشبها باجتبائه للرؤيا الشريفة لفقدان المناسبة الداعية إلى التشبيه إذ هو مانع من حمل الكلام على التشبيه. قوله: (من تعبير الرؤيا) هكذا فيما رأيته من النسخ. والظاهر من تعبير الرؤي على أنه جمع الرؤيا لأن المقصود تفسير التأويل بالتعبير وتفسير الأحاديث بالرؤي والجمع لا يفسر بالمفرد. وقوله: «لأنها أحاديث» علة لإطلاق لفظ الأحاديث على الرؤيا وقد ورد في كتب الأحاديث أن الرؤيا ثلاث: حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من اللّه تعالى. يقال: عبرت الرؤيا أعبرها عبارة فسرتها، وكذا عبرت الرؤيا تعبيرا. وكان يوسف عليه الصلاة والسّلام أعبر الناس للرؤيا وأصحهم عبارة لها. قوله: (أو من تأويل غوامض كتب اللّه تعالى الخ) عطف على قوله: «من تعبير الرؤيا» فعلى هذا في الكلام إشارة إلى أن العلم أجل النعم وأن أشرف العلوم تأويل كتب اللّه تعالى وتفسير سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام. نقل عن الراغب أن التأويل من الأول وهو الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه. فالتأويل رد الشيء إلى الغاية المرادة منه