فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 68
وبنيامين وأخيهما الذي توقف بمصر إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي وحالهم الْحَكِيمُ (83) في تدبيره.
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ فأعرض عنهم كراهة لما صادف منهم وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ أي يا أسفي تعال فهذا أوانك. والأسف أشد الحزن والحسرة، والألف بدل من ياء المتكلم. وإنما تأسف على يوسف دون أخويه والحادث رزؤهما لأن رزأه كان قاعدة المصيبات وكان غضا آخذا بمجامع قلبه ولأنه كان واثقا بحياتهما دون حياته. وفي الحديث: «لم تعط أمة من الأمم إنا للّه وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم» ألا ترى إلى يعقوب عليه الصلاة والسّلام حين أصابه ما أصاب لم يسترجع وقال: يا أَسَفى وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ لكثرة بكائه من الحزن كأن العبرة محقت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأخيهما الذي توقف بمصر) وهو الذي قال: فلن أبرح الأرض أي لن أخرج من مصر حتى يبعث إلى أبي أن آتيه أو يقضي اللّه تعالى في أمري شيئا. فإنهم حين ذهبوا إلى البادية أول مرة كانوا اثني عشر فضاع يوسف وبقي أحد عشر ولما أرسلهم إلى مصر عادوا تسعة لأن بنيامين حبسه يوسف واحتبس ذلك الكبير الذي قال: فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم اللّه لي. فلما بلغ الغائبون ثلاثة لا جرم قال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا. قوله: (عليه الصلاة والسّلام يا أسفا على يوسف) الألف فيه منقلبة عن ياء المتكلم. والأصل: يا أسفي ففتحت الفاء وصيرت الياء ألفا طلبا للتخفيف لأن الفتحة والألف أخف من الكسرة والياء، وليحصل امتداد الصوت الذي هو المقصود في الندامة ونداء مثل الأسف والحسرة مجاز والمقصود إنشاء التأسف والتحزن لتحقق ما يوجبهما وقوة ما يدعو إليهما من الأسباب والعلل كأنه يقول: هذا أوانك أيها الأسف فاحضر. قوله: (وفي الحديث الخ) إشارة إلى جواب ما يقال: أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقال: إنا للّه وإنا إليه راجعون حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 157] فلم لم يسترجع يعقوب عليه الصلاة والسّلام بل قال: يا أَسَفى وتقرير الجواب ظاهر. قوله: (لكثرة بكائه) إشارة إلى أن قوله تعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ كناية عن غلبة البكاء فإن من غلب عليه البكاء يكثر الماء في عينه فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء. قيل: ما جفت عينا يعقوب عليه الصلاة والسّلام من وقت فراق يوسف عليه الصلاة والسّلام إلى وقت لقائه وكان بينهما ثمانون عاما. وقيل: ضعفت عيناه أي ضعف بصره. وقيل: عمي. ويؤيد القول الأول قوله تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: 25] إذ الحزن لا يكون علة لضعف البصر فضلا عن العمى. وإنما يكون علة لكثرة البكاء فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان