حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 93
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى لمدة معينة يتم فيها أدواره أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير: 1، 2] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أمر ملكوته من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وغير ذلك. يُفَصِّلُ الْآياتِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير تلك الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد. ثم إنه خرج من أحد جانبي تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء ومن الجانب الآخر منها جرم غائص في الأرض، ومن المحال أن يتولد من طبيعة واحدة طبيعتان متضادتان فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم. ثم إن الشجرة النابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشبا وبعضها يكون نورة وبعضها يكون ثمرة، ثم إن تلك الثمرة أيضا يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع فالجوز له أربعة أنواع من القشور: قشره الأعلى، وتحت القشرة الخشبية، وتحته القشرة المحيطة باللب، وتحت هذه القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز واللوز رطبا. وأيضا فقد يحصل في الثمرة والواحدة الطبائع المختلفة فالعنب مثلا قشره وعجمه بارادان يابسان، ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لا بد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القديم. ثم استدل بأحوال الليل والنهار حيث قال تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [الرعد: 3] فإن الإنعام لا يكمل إلا بالليل والنهار وتعاقبهما. قوله: (لمدة معينة) أي يسير إلى وقت معلوم في منازله لا يجاوزه. قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وسيرها في تلك المنازل يتم في ستة أشهر، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى كل واحد منها في ستة أشهر أخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا.
فالمراد بقوله تعالى: كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى هذا. وقيل: المراد به كونهما متحركين إلى يوم القيامة وعند مجيء ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات.
قوله: (أمر ملكوته) أي أمر ملكه وسلطنته. فإن الملكوت من الملك كالرهبوت من الرهب يقال له: ملكوت العراق وهو الملك. والعزة ولفظ الجلالة في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ مبتدأ خبره «الذي» ورفع السموات واستوى على العرش وسخر الشمس والقمر صلات. وكأنه قيل: ماذا حكمته في إنشائها وتسخيرها والاستواء عليه؟ قيل:
يدبر الأمر يفصل الآيات الدالة على وجود منشئها وحكمة مخترعها ليوقن المكلفون بأن مرجعهم إليه وأنه لا بد من لقائه ليثيبهم ويعاقبهم على ما كلفوا به، كما أشار إليه بقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد: 3] وإن كان الذي رفع السموات صفة للفظ الجلالة يكون قوله: «يدبر» خبرا للمبتدأ و «يفصل» خبرا بعد خبر كما أشار إليه المصنف. ويكون المقصود من توصيف