حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 132
لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل، فوجب أن لا يكون نبيا حقا. فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله: لكل وقت حكم يليق بصلاح أهله وحالهم فإن الحكمة تقتضي اختلاف الأحكام على حسب الأعصار والأمم وعلى حسب تخصيص المشيئة الإلهية أهل كل عصر بحكم على حدة، كما قال اللّه تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ إن فسر بما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى بقوله: «ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت ما تقتضيه حكمته» قال الإمام رحمة اللّه تعالى عليه: في هذه الآية قولان: الأول أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه اللفظ قالوا: إن اللّه يمحو من الرزق ويزيد فيه وكذا في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر. وهو مذهب عمر وابن مسعود رضي اللّه عنهما. والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى اللّه في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وهذا التأويل رواه جابر رضي اللّه عنه قال: كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.
وروي مثله عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أيضا. والقول الثاني: إن الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض، وعلى هذا التقدير ففي الآية وجوه: الأول أن المراد من المحو والإثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر لا عين الأول. فقد روي عن سعيد بن جبير وقتادة رضي اللّه تعالى عنهما: يمحو اللّه ما يشاء من الشرائع فينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.
وهذا القول اختيار أبي علي الفارسي قال: هذا واللّه أعلم فيما يحتمل النسخ والتبديل من الشرائع الموقوفة على المصالح على حسب الأوقات، فأما ما كان من غير ذلك فلا يمحى ولا يبدل. والثاني أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة وذلك لأنهم مأمورون بكتابة جميع ما يقوله الإنسان ويفعله. فإذا كان يوم الاثنين ويوم الخميس يعارض ما كتبه الحفظة بما في اللوح المحفوظ، فيلقى من كتاب الحفظة ما لا جزاء له من ثواب وعقاب ويثبت ما له جزاء من أحدهما ويترك مكتوبا كما هو. والثالث أن من أذنب ذنبا أثبت اللّه تعالى ذلك الذنب في ديوانه فإذا تاب عنه يمحو ذلك من ديوانه. وقال عكرمة: يمحو اللّه سيئات التائب ويثبت بدلها حسنات. والرابع: يمحو اللّه ما يشاء وهو ما جاء أجله ويدع من لم يجئ أجله ويثبته، وأن اللّه تعالى يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والموت والحياة والرزق والأجل. ويدل على صحة هذا القول ما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا مضى على النطفة خمس وأربعون ليلة يدخل الملك ويقول: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي اللّه عز وجل ويكتب الملك فيقول: ما أجله وعمله ورزقه فيقضي اللّه تعالى ويكتب الملك، ثم تطوى الصحيفة فلا يزداد فيها ولا ينقص منها» . وقال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: هما كتابان