حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 131
أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ بشرا مثلك وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً نساء وأولادا كما هي لك وَما كانَ لِرَسُولٍ وما صح له ولم يكن في وسعه أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ تقترح عليه وحكم يلتمس منه. إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فإنه الملي بذلك. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (38) لكل وقت وأمد حكم يكتب على العباد على ما يقتضيه استصلاحهم
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ينسخ ما يستصوب نسخه وَيُثْبِتُ ما تقتضيه حكمته. وقيل: يمحو سيئات التائب ويثبت الحسنات مكانها. وقيل: يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء ويترك غيره مثبتا أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه. وقيل: يمحو قرنا ويثبت آخر.
وقيل: يمحو الفاسدات ويثبت الكائنات. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويثبت بالتشديد. وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (39) أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
الثبات في الدين علما منه بأن من هو أرفع منزلة إذا حذر هذا التحذير فهو بذلك أحق وأولى.
قوله: (بشر مثلك) يعني من أنكر نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم تمسكوا بشبه في إبطال نبوته منها: إن قولهم الرسول لا بد أن يكون من جنس الملائكة كما حكي عنهم بقوله: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ [الحجر: 7] وبقوله تعالى: لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ [الفرقان: 7] ومنها قولهم:
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [الفرقان: 7] ومنها أنهم عابوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكثرة الزوجات وقالوا: لو كان رسولا من عند اللّه تعالى ما كان مشتغلا بأمر النسوان بل كان معرضا عنهن مشتغلا بالزهد والعبادة. فأجاب اللّه تعالى عن شبههم بقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً فجاز ذلك في حقهم فلم لا يجوز مثله أيضا في حقه؟ فقد روي أنه كان لسليمان عليه الصلاة والسّلام ثلاثمائة امرأة مهرية وسبعمائة سرية، وكان لداود عليه الصلاة والسّلام مائة امرأة. وكان من شبههم أنهم قالوا: لو كان رسولا من عند اللّه تعالى لكان عليه أن يأتي بأي شيء طلبنا منه من المعجزات ولا يتوقف، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول. فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله تعالى: وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي وما صح له ولم يكن في وسعه أن يأتي بآية إلا بإذن منه فإن المعجزة الواحدة كافية في إثبات الحجة وما زاد عليها فهو مفوض إلى مشيئة اللّه سبحانه وتعالى إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها، ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك.
قوله: (لكل وقت وأمد حكم يكتب) يعني أن الكتاب بمعنى الحكم المكتوب المفروض على المكلفين بالشرائع والأحكام لأن الطاعنين في نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: لو كان صادقا في دعوة النبوة ينسخ الأحكام التي نص اللّه تعالى على ثبوتها في الشرائع المتقدمة في التوراة والإنجيل،