حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 130
قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ جواب للمنكرين أي قل لهم: إني أمرت فيما أنزل إليّ بأن أعبد اللّه وأوحده، وهو العمدة في الدين ولا سبيل لكم إلى إنكاره وأما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام. وقرئ «ولا أشرك» بالرفع على الاستئناف إِلَيْهِ أَدْعُوا لا إلى غيره وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وإليه مرجعي للجزاء لا إلى غيره وهذا هو القدر المتفق عليه بين الأنبياء فأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم فلا معنى لإنكاركم المخالفة فيه.
وَكَذلِكَ ومثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الديانات المجمع عليها.
أَنْزَلْناهُ حُكْمًا يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة. عَرَبِيًّا مترجما بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه وانتصابه على الحال وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها كتقرير دينهم والصلاة إلى قبلتهم بعد ما حولت عنها. بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بنسخ ذلك ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (37) ينصرك ويمنع العقاب عنك وهو حسم لأطماعهم وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم.
وَلَقَدْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف يصح أن يراد بأهل الكتاب في هذا الموضع عامة أهل الكتاب وهم الكفرة ويحكم عليهم بأنهم يفرحون بما أنزل إليك مع أن ما أنزل يعم جميع ما أنزل إليه صلّى اللّه عليه وسلّم: ومعلوم أن عامتهم لا يفرحون بكل ما أنزل إليه؟ والجواب أن ما أنزل إليه عام يتناول الكل والبعض وليس عاما مستغرقا لجميع ما يصدق لفظ الكل عليه فجاز حملها على البعض بحسب القرينة. فلذاك قال المصنف رحمه اللّه تعالى: «فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم» .
قوله: (يحكم في القضايا) إشارة إلى أن الحكم مصدر بمعنى الحاكم لما كان جميع التكاليف الشرعية مستنبطة من القرآن كان سببا للحكم فأسند إليه الحكم إسنادا مجازيا، ثم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. قوله: (التي يدعونك إليها) فإنه روي أن المشركين كانوا يدعونه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اتباع ملة آبائهم المشركين، وكان اليهود يدعونه إلى الصلاة إلى قبلتهم بعدما حوّل عنها. جعل ما يدعون إليه من الدين الباطل والطريق الزائغ هوى وهو ما يميل إليه الطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند مقبول ودليل معقول لكونه هوى محضا. قوله: (وهو حسم لأطماعهم وتهييج للمؤمنين) يعني أن الخطاب وإن كان مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا أن المراد التعريض لغيره لأن صلابته صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر الدين بلغت إلى حيث لا يحتاج معها إلى الحث على التصلب والثبات. ووجه التعريض أن من سمع تحذير سيد الخلائق وتهديده على عدم التثبت والتصلب إن كان ممن يطمع منه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك انقطع طمعه بالكلية، وإن كان ممن لا يتوهم منه ذلك قويت عزيمته وهمته على ذلك أي على