حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 129
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ على طريقة قولك: صفة زيد أسمر أو على حذف موصوف أي مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار، أو على زيادة المثل، وهو على قول سيبويه حال من العائد المحذوف من الصلة أُكُلُها دائِمٌ لا ينقطع ثمرها وَظِلُّها أي وظلها كذلك لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس تِلْكَ أي الجنة الموصوفة عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا مآلهم ومنتهى أمرهم. وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (35) لا غير. وفي ترتيب النظمين أطماع للمتقين وإقناط للكافرين.
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني المسلمين من أهل الكتاب كابن سلام وأصحابه ومن آمن من النصارى وهم ثمانون رجلا، أربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة، أو عامتهم فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم. وَمِنَ الْأَحْزابِ يعني كفرتهم الذين تحزبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما. مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ وهو ما يخالف شرائعهم وما يوافق ما حرفوه منها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المثل بمعنى المثل لغة كالشبه والشبه. ثم إنه خص في العرف العام بالقول السائر الذي يشبه مضربه بمورده ثم استعير لكل ما فيه غرابة تشبيها له بالقول السائر في الغرابة فإنه لا يضرب من الأقوال إلا ما فيه غرابة. قوله: (على طريقة قولك صفة زيد أسمر) جواب عما يقال:
كيف يصح أن يكون المثل ههنا بمعنى الصفة ثم يكون مبتدأ وخبره تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فإن المثل إذا كان بمعنى الصفة كان تقدير الكلام صفة الجنة فيها أنهار، والحال أنه لا معنى لقولنا صفة الجنة فيها أنهار لأن الأنهار في نفس الجنة لا في صفتها؟ وتقرير الجواب أن ما ذكر إنما يلزم أن لو كان ضمير فيها راجعا إلى الصفة في قولنا: صفة الجنة فيها أنهار وليس كذلك، كما إذا قيل: صفة زيد أسمر يريد أن ضمير أسمر راجع إلى نفس زيد لا إلى صفته، فلا يرد ما ذكر لأنه إنما يرد أن لو كان ضمير أسمر راجعا إلى الصفة وليس كذلك بل هو راجع إلى نفس زيد كأنه قيل: صفة السمرة فيه. قوله: (أو على حذف موصوف) فيكون لفظ المثل باقيا على معناه الأصلي أي شبه الجنة جنة كذا، ولا يكون مستعارا للصفة العجيبة من القول السائر. ولا يرد أن يقال: إن الشبه بمعنى المشابهة وهي حدث والجنة عين واسم العين لا يكون خبرا عن اسم المعنى لأنه إنما يرد أن لو كان المثل بمعنى المماثلة وليس كذلك بل هو ههنا بمعنى المثل، والمشابه عرف اللّه تعالى الجنة التي لم نرها بما رأيناه وشاهدناه في الدنيا لنفهمها بعض الفهم. كأنه قيل: ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء. قوله: (وهو على سيبويه حال من العائد المحذوف من الصلة) والتقدير: وعدها المتقون مقدرا جريان أنهارها. قوله: (أو عامتهم) بالنصب عطفا على المسلمين من أهل الكتاب. والمراد من الكتاب على التقديرين التوراة والإنجيل، فإن قيل: