حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 134
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أرض الكفرة نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بما نفتحه على المسلمين منها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ لا راد له وحقيقته الذي يعقب الشيء بالإبطال. ومنه قيل لصاحب الحق: معقب لأنه يقفو غريمه بالاقتضاء. والمعنى أنه حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار. وذلك كائن لا يمكن تغييره ومحل «لا» مع المنفي النصب على الحال أي يحكم نافذا حكمه وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (41) فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعد ما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا.
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بأنبيائهم والمؤمنين منهم فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا إذ لا يوبه بمكر دون مكره فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره. يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ فيعد جزاءها وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) من الحزبين حيثما يأتيهم العذاب المعد لهم وهم في غفلة منه، وهذا كالتفسير لمكر اللّه تعالى بهم. واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو الكافر على إرادة الجنس. وقرئ الكافرون والذين كفروا والكفر أي أهله وسيعلم من أعلمه إذا أخبره.
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قيل: المراد بهم رؤساء اليهود. قُلْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بلاد المسلمين باستيلائهم عليها قهرا وجبرا نقص من ديار الكفرة وهي من طلائع تحقق تلك المواعيد وعلامتها، فإنه تعالى إذا قدر على جعل بعض ديار الكفر للمسلمين فهو قادر على أن يجعل الكل لهم أفلا يعتبرون بهذا؟ ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال سبحانه وتعالى:
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ أي يحكم نافذا حكمه خاليا عن المدافع والمعارض والمنازع. ثم سلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أخبره أن كفار الأمم الماضية كفروا برسلهم ومكروا بأن هموا بقتلهم وإهلاكهم وإبطال دينهم الذي دعوا قومهم إليه مثل: نمرود مكر بإبراهيم عليه الصلاة والسّلام، واليهود مكروا بعيسى عليه الصلاة والسّلام، وفرعون مكر بموسى عليه الصلاة والسّلام. ثم بيّن أن مكرهم كلا مكر بالإضافة إلى مكر اللّه تعالى حيث قال: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ثم بيّن قوة مكره وكماله بقوله: يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكافر لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ فإن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها وكان قادرا على إمضاء ما أعده من الجزاء في الدنيا والآخرة، لا جرم يأخذ المجرمين بالنواصي والأقدام وهم في غفلة عما يراد بهم إن بطشه لشديد إذا أخذ الظالم لا يفلته.
قوله: (مع ما في الإضافة إلى الدار) أي مع الدلالة الكائنة في إضافة العقبى إلى الدار، فإن الإضافة لتعظيم المضاف فتدل على أن المعنى ما ينبغي أن تكون العاقبة عاقبة الدنيا بل