حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 149
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ سلموا مشاركتهم في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل اللّه تعالى ومنه عليهم. وفيه دليل على أن النبوة عطائية وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئة اللّه تعالى وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي ليس لنا الإتيان بالآيات لا تستبد به استطاعتنا حتى نأتي بما اقترحتموه وإنما هو أمر متعلق بمشيئة اللّه تعالى فيخص كل نبي بنوع من الآيات. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) فلنتوكل عليه في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا ألا ترى قوله:
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ أي أي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا التي نعرفه بها ونعلم أن الأمور كلها بيده، وقرأ أبو عمرو بالتخفيف ههنا وفي العنكبوت.
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا جواب قسم محذوف أكدوا به توكلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم. وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا حلفوا على أن يكون أحد الأمرين إما إخراجهم للرسل أو عودهم إلى ملتهم وهو بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم قط. ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه فغلبوا الجماعة على الواحد فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ أي إلى الرسل لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) على إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجراه لأنه نوع منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يشاء من عباده ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية، فإنه تعالى بيّن في هذه الآية أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من اللّه والعطية. وأيضا إنهم ذهبوا إلى أن لا مؤثر في الوجود إلا اللّه ولا دخل لشيء مما سواه في الوجود، وأنه تعالى يرجح بعض الجائزات على بعض بمشيئته. وقال جماعة من حكماء الإسلام: الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصا بخواص شريفة قدسية فإنه يمتنع عقلا حصول النبوة. وأجابوا عن قول الأشاعرة بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والبدنية وامتيازهم بها عن سائر الناس تواضعا بل اقتصروا على قولهم: وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بالنبوة لعلمه باتصافهم بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص كما قال اللّه تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: 124] أي اللّه يعلم موضع رسالته من الناس، يعني يعلم من يصلح لنبوة ومن لا يصلح، فخص بها محمدا. وأجابوا عن قولهم: فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ بقولهم: وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.