فهرس الكتاب

الصفحة 2817 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 187

بَلاغٌ لِلنَّاسِ كفاية لهم في الموعظة وَلِيُنْذَرُوا بِهِ عطف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا بهذا البلاغ فتكون اللام متعلقة بالبلاغ. ويجوز أن تتعلق بمحذوف تقديره ولينذروا به أنزل أو تلى. وقرئ بفتح الياء من نذر به إذا علمه واستعد له. وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة عليه أو المنبهة على ما يدل عليه. وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (52) فيرتدعوا عما يرديهم ويتدرعوا بما يحظيهم.

واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب: تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصح تعليله بمجازاة كل نفس عن العموم. ثم أشار إلى جواز كون اللام في «ليجري» متعلقة بقوله: «وَ بَرَزُوا» فحينئذ لا حاجة إلى تخصيص كل نفس بالمجرمين بل يتعين إبقاؤه على عمومه.

قوله: (ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد) ذكر الفائدة الأولى بقوله: وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وذكر الثانية بقوله: وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ والثالثة بقوله: وَلِيَذَّكَّرَ واعلم أن النفس الناطقة لها قوتان: نظرية تستكمل بها النفس معرفة الموجودات بأقسامها التي هي الواجب لذاته وصفاته وآثاره الممكنة من الجواهر العلوية والسفلية، ومعلومات الأعراض القائمة بها حتى تصير النفس بتلك المعرفة عالما آخر ارتسمت فيه صور جميع الموجودات من أجناسها وأنواعها وأصنافها مضاهيا للعالم الأكبر الذي تحققت فيه أعيان الموجودات المذكورة، وأجلّ هذه المعارف معرفة ذات الواجب بصفات جلاله وجماله. وقوة عملية: تتمكن النفس بها على أعمال جوارحها وقواها الظاهرة والباطنة وتستعين بها في تحصيل المقاصد الدنيوية والأخروية التي هي الأعمال الصالحة وهي التي عبر عنها المصنف «بالتدرع بلباس التقوى» . والمراد بالتقوى ههنا التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك فقوله تعالى: وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس بكمال القوة النظرية وقوله: وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس بكمال حال القوة العلمية. فإن غاية هذا التذكر وفائدته هي الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة وهذه الآيات مشعرة بأن التذكر بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح. والوجه فيه أن من سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل، والنظر يوصل إلى معرفة التوحيد والنبوة والاشتغال بالأعمال الصالحة. واعلم أن هذه الآية الكريمة دالة على أن العقل أشرف ما يتوصل به إلى الحق لأن أعز المطالب وأكرم المواهب هو هداية اللّه تعالى بإنزال الكتب وبعثة الرسل وقد تبين بهذه الآية أن من ينتفع به ويتذكرهم أولوا الألباب، فظهر به أن من لا لب له كالبهائم. اللهم اجعلنا من المهتدين بنور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت