فهرس الكتاب

الصفحة 2816 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 186

حال ثانية أو حال من ضمير «مُقَرَّنِينَ» وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) أي وتتغشاها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات. ونظيره قوله: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الزمر: 24] وقوله تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ [القمر: 48] .

لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ أي يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة ما كَسَبَتْ أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة، لأنه إذا بيّن أن المجرمين يعاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم ويتعين ذلك أن علق اللام «ببرزوا» . إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (51) لأنه لا يشغله حساب عن حساب

هذا إشارة إلى القرآن أو السورة أو ما فيه من العظة والتذكير أو ما وصفه من قوله: «ولا تحسبن اللّه»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحرارة قال اللّه تعالى: وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 44] . قوله: (أي وتتغشاها) أي يجب على قراءة «وتغشى» بتشديد الشين أن تحمل الكلمة على المضارع بحذف إحدى التاءين لتوافق المشهورة فيكون تفعل بمعنى فعل نحو: تيسير بمعنى يسركما أن تغشاه بمعنى غشيه فقوله: «تتغشاها» بمعنى تعلوها وتغطيها.

قوله: (كما تطلع على أفئدتهم) يعني أنه تعالى خص القلب والوجه بظهور آثار العذاب فيهما حيث قال في القلب: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [الهمزة: 6، 7] وقال في الوجه: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ لأن الحكمة في خلق المكلفين إنما هي معرفة ربهم وخالقهم بمعاينة ما يدل على كمال عمله وقدرته واستعمال المشاعر والحواس المجتمعة في الرأس والوجه ليؤدي استعمالها إلى المعرفة التي موضعها القلب ليخضعوا لعظمته وكبريائه ويرغبوا في طاعته ومرضاته ويجتنبوا عن سخطه وعقابه ويحوزوا بذلك سعادة الدارين.

فمن أهمل هذه القوى التي هي أسباب السعادات كلها فجدير أن يكون معظم ما يتعلق به من العذاب ظاهرا في مجال تلك القوى. قوله: (ونظيره قوله تعالى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب) فإن من أصاب وجهه أذى في الدنيا يتقي عنه بيده. والمجرمون لما كانت أيديهم مغلولة إلى أعناقهم لا يقدرون على أن يتقوا النار بأيديهم فلا جرم يتقونها بوجوههم.

قوله: (أي يفعل بهم ذلك ليجزي) يعني أن اللام متعلقة بمحذوف. ولما ورد أن يقال:

تعذيب المجرمين كيف يصح تعليله بمجازاة كل نفس بما كسبت فإن علته ليست إلا مجازاة أنفسهم فقط لا مجازاة عامة النفوس؟ أشار إلى دفعه بوجهين: الأول أن المراد بكل نفس النفوس المجرمة، والثاني أن تعذيب المجرمين لإجرامهم لما استلزم إثابة المطيعين لطاعتهم كان قوله: «يفعل بهم ذلك» متضمنا لكل واحد من الإثابة والتعذيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت