فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 198
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (11) كما يفعل هؤلاء، وهو تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. و «ما» للحال لا يدخل إلا مضارعا بمعناه أو ماضيا قريبا منه وهذا على حكاية الحال الماضية.
كَذلِكَ نَسْلُكُهُ ندخله فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط والرمح في المطعون. والضمير للاستهزاء. وفيه دليل على أن اللّه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم. وقيل: للذكر فإن الضمير الآخر في قوله:
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ له وهو حال من هذا الضمير. والمعنى مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذبا غير مؤمن به. أو بيان للجملة المتضمنة له وهذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرسل، لما تقرر من أن الرسول من له معجزة باهرة وكتاب سماوي والنبي صاحب المعجزة فقط وليس له كتاب سماوي، فلو اقتصر على قوله: «نبأنا رجالا فيهم» لكان المذكور بعض معنى «أرسلنا» وهو بصدد بيان تمام معناه فدل بقوله: «نبأناهم فيهم» على معنى أعطيناهم المعجزة وبقوله: «وجعلناهم رسلا فيما بينهم» على معنى صيّرناهم صاحب كتاب وشريعة مستقلة. والفائدة في ارتكاب ما يحوج إلى اعتبار التضمين الإعلام بمزيد تمكين الرسل واستقرارهم فيما بين الأمم.
قوله تعالى: (وَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) نظير قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [الشعراء: 208] فيكون المنفي فيه صفة لرسول اللّه على ما اختاره المصنف لأنه في قوة أن يقال: أتاهم رسول مستهزأ به ولم يأتهم رسول غير مستهزأ به ويكون حالا من مفعول يَأْتِيهِمْ على ما اختاره السكاكي والكاف في قوله تعالى: كَذلِكَ منصوب المحل على أنه صفة مصدر محذوف أو حال منه أي سلكنا الاستهزاء في قلوبهم سلكنا مثل هذا السلك. ويحتمل أن يكون مرفوع المحل على أنه صفة مصدر محذوف أو حال منه أي الأصل كذلك ويستأنف وقوله: «وقيل للذكر» ، فإن المعتزلة لما أبوا من إرجاع ضمير نَسْلُكُهُ إلى الاستهزاء المدلول عليه بقوله:
يَسْتَهْزِؤُنَ على أن الاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال واللّه تعالى لا يخلق الباطل في قلب العبد على زعمهم، قالوا: إن الضمير للذكر واستدلوا عليه بأن الضمير «في» قوله: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ عائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون ضمير نَسْلُكُهُ أيضا عائدا إليه لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد:
قوله: (لا يؤمنون به) حال من ضمير «نسلكه» فلو كان ذلك الضمير للاستهزاء لكان المعنى: نسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم لا يؤمنون بذلك الاستهزاء، وذلك يوجب