حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 230
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) باللّه ورسله
وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (78) هم قوم شعيب كانوا يسكنون الغيضة فبعثه اللّه إليهم فكذبوه فأهلكوا بالظلة. والأيكة الشجرة المتكاثفة
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالإهلاك وَإِنَّهُما يعني سدوم والأيكة. وقيل: الأيكة ومدين فإنه كان مبعوثا إليهما فكان ذكر أحدهما منبها على الآخر. لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (79) لبطريق واضح. والإمام اسم ما يؤتم به فسمي به اللوح ومطمر البناء لأنهما مما يؤتم به.
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) يعني ثمود كذبوا صالحا ومن كذب واحدا من الرسل فكأنما كذب الجميع. ويجوز أن يكون المراد بالمرسلين صالحا ومن معه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن في ذلك لآية للمؤمنين باللّه ورسله) فإن كل من آمن باللّه ورسله عرف أن ما ذكر إنما كان من اللّه تعالى انتقاما لأنبيائه من أولئك الجهال، وأما الذين لا يؤمنون باللّه ورسله فإنهم يحملون ذلك على حوادث العالم ووقائعه وحصول القرانات الكواكبية والاتصالات الفلكية.
ذكر اللّه تعالى أولا أن فيما ذكر من هذه القصة آيات للمتوسمين ولم يبيّن أنه من أي جهة يكون فيه آيات لهم، وذلك يحتمل وجوها: الأول هو أن قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يدل على رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه عليه الصلاة والسّلام ذكر قصة إبراهيم ولوط عليهما الصلاة والسّلام على ما كانت وهو لم يشهدها ولم يقرأ كتابا ولم يخالط أهل العلم والأخبار، فكان ذلك آية على صدقه في دعوى الرسالة. والثاني أن في هلاك من أهلك منهم ونجاة من نجا منهم آية للمتوسمين لأن من هلك منهم هلك بالتكذيب ومن نجا منهم نجا بالتصديق. ويستدلون بذلك على ثبوت الصانع القادر العليم الحكيم وعلى حقية أمر البعثة والنبوة وحقية ما جاء به الأنبياء والمرسلون من الشرائع والأحكام. وقيل: إنما جمع الآيات للمتوسمين ووحد الآية للمؤمنين بناء على أن لفظ «ذلك» إشارة إلى وقوع القرية الهالكة بسبيل مقيم. واللّه أعلم.
قوله: (فأهلكوا بالظلة) روي أنه تعالى سلط عليهم الحر سبعة أيام فبعث اللّه تعالى سحابة فالتجأوا إليها يلتمسون منها الروح فبعث اللّه تعالى عليهم منها نارا فأحرقتهم، فذلك قوله تعالى: فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء: 189] . قوله: (ومن كذب واحدا من الرسل فكأنما كذب الجميع) جواب عما يقال: إن ثمودا إنما كذبوا رسولهم صالحا فكيف قيل: كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ؟ وتقرير الجواب أن صالحا كان يدعوهم إلى ما كان دعاء سائر الرسل إليه فإذا كذبوه صاروا كأنهم قد كذبوا الرسل جميعا، لأن كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعا فمن كذب واحدا منهم فقد كذب الكل. وقيل: الرسول من أوتي الكتاب بعد إظهار المعجزة وكل من لم يصدق هذا فقد عمم التكذيب والرد.
قوله: (ويجوز أن يكون المراد بالمرسلين صالحا ومن معه) بطريق تغليب صالح على أمته