حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 232
منسوخ بآية السيف.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الذي خلقك وخلقهم وبيده أمرك وأمرهم. الْعَلِيمُ (86) بحالك وحالهم فهو حقيق بأن تكل إليه ليحكم بينكم أو هو الذي خلقكم وعلم الأصلح لكم وقد علم أن الصفح اليوم أصلح. وفي مصحف عثمان وأبيّ رضي اللّه عنهما «هو الخالق» وهو يصلح للقليل والكثير والخلاق يختص بالكثير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فقد استحق لأن يعاقب بأنواع العقوبات، فلذلك أهلك من آثر سبيل الضلالات والجهالات إجلاء لوجه الأرض عن تلك الحالات. ولم يكتف بإهلاكهم بل أعد دار الجزاء لينتقم فيها من الأعداء ويتفضل فيها على الأولياء فإن الدنيا ليست بدار الجزاء بل هي دار التكليف والابتلاء فلا بد من يوم الدين والجزاء ليصل إلى كل ذي حق حقه كما قال تعالى: إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ [يونس: 4] ثم إنه تعالى لما صبّره على أذى قومه رغبه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم فقال: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ أي فاعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا ملتبسا بحلم وإغضاء، ولا تكافئهم بما آذوك قولا وفعلا فإن الساعة آتية فأنا أكافئهم عنك. ووصف الصفح الجميل للدلالة على معنى أن لا يترك نصحهم ودعاءهم إلى الحق مع ذلك. والصفح بهذا المعنى لا يقبل النسخ والذي يقبله هو الصفح بمعنى الإعراض عن قتالهم. وقيل: هو منسوخ بآية السيف وهو بعيد لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح فكيف يصير منسوخا؟ فإنه عليه الصلاة والسّلام كان مأمورا بالصفح في موضعه وبالقتال في موضعه. قوله: (أو هو الذي خلقكم وعلم الأصلح لكم) عطف على قوله: «الذي خلقك وخلقهم» فالوجه الأول على تفسير الصفح بالمعاملة بالخلق الحسن في تبليغ الرسالة والصبر على إيذائهم بلسانهم وفعلهم، فحينئذ تكون الآية متعلقة بقوله: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ والوجه الثاني مبني على تفسير الصفح بالإعراض عن قتالهم فتكون الآية حينئذ متعلقة بقوله: فَاصْفَحِ وقوله: «وهو يصلح للقليل والكثير» فإن صيغة فاعل موضوعة لمن يقوم به الفعل على وجه الحدوث سواء كان متعلق الفعل واحدا أو كثيرا وصيغة «فعال» إنما تطلق إذا كان متعلق الفعل كثيرا. ثم إنه تعالى لما صبّره على أذى قومه وأمره بالصفح الجميل اتبعه بذكر ما خصه من النعم الجليلة لأن الإنسان إذا تذكر نعم اللّه عليه سهل عليه الصفح والتجاوز، فقال: (وقد آتيناك سبعا من المثاني والسبع) يحتمل أن يكون المراد منه سبع آيات أو سبعا من السور أو سبعا غيرهما من الفوائد، وليس في اللفظ ما يدل على التعيين. والمثاني صيغة جمع واحده إما مثناة وهي موضع الثني أو مثنية اسم فاعل والتأنيث لكونها صفة آية، فإن الآية إنما تتلى مكررة أو هي مثنية كأنها تثنى على اللّه بصفاته الحسنى على الإسناد المجازي أو الاستعارة المكنية.