حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 242
والباقون بالياء على تلوين الخطاب أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم، لما روي أنه نزلت أَتى أَمْرُ اللَّهِ فوثب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ.
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ بالوحي أو القرآن فإنه يحيي به القلوب الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، وذكره عقيب ذلك إشارة إلى الطريق الذي به علم الرسول ما تحقق موعدهم به ودنوه وإزاحة لاستبعادهم اختصاصه بالعلم به.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «ينزل» من أنزل وعن يعقوب مثله وعنه «تنزل» بمعنى تتنزل.
وقرأ أبو بكر «تنزل» على المضارع المبني للمفعول من التنزيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجرى الواقع» كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاء الغوث فلا تجزع ولا تستعجل. وأجاب عن قولهم: إن صح كونه واجب الوقوع وجاريا مجرى الواقع فما نعبده من الأصنام شفعاؤنا عند اللّه تشفع لنا فنتخلص منه بسبب شفاعتهم بقوله سبحانه وتعالى:
عَمَّا يُشْرِكُونَ به غيره فأنى يكون لمبدع السماوات والأرض شريك في تصرف ملكه فضلا عن أن يشاركه في ذلك أخس خلقه. قوله: (لما روي) قال الإمام: إنه لما نزل قوله تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: 1] قال الكفار فيما بينهم: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى يأتي ما هو كائن. فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئا فنزل قوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [الأنبياء: 1] فأشفقوا وانتظروا وقوعها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به. فنزل قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فوثب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ انتهى كلامه. يعني أنه لما نزل أَتى أَمْرُ اللَّهِ ظنوا أنها قد أتت حقيقة ففزعوا وخافوا فلما نزل قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ اطمأنوا وسكنوا. فعلى قراءة حمزة والكسائي يكون الخطاب في الموضعين للكفار. وعلى قراءة الباقين يحتمل أن يكون للغيبة مبنيا على الالتفات وأن يكون الخطاب في قوله: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ للمؤمنين أو لهم ولغيرهم وتكون الغيبة على ظاهرها. قوله: (فإنه) أي فإن كل واحد من الوحي والقرآن يحيي به القلوب بيان لوجه الشبه بين الروح وبين كل واحد منهما.
شبههما أولا بالروح من حيث كونهما سببا لحياة القلوب مثل كون الروح سببا لحياة الجسد، وشبههما ثانيا بالروح أيضا لكونهما بالنسبة إلى الدين بمنزلة الروح للجسد. فكما أن قوام الجسد وزينته بالروح فكذلك قوام الدين وزينته بالوحي والقرآن إذ بهما تكون المعارف الربانية والتكاليف الإلهية. فالروح الأصلي ليس إلا القرآن والوحي من حيث إن ارتقاء الجسد عن درجة البهيمية لا يحصل إلا بهما. ثم عبر بالمشبه به عن المشبه فصار استعارة تصريحية تحقيقية. ثم إنه تعالى لما بيّن بلسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن ما توعدهم به لكونه محقق الوقوع في حكم الواقع وأنه تعالى منزه عن الشركاء والأنداد بيّن لهم الطريق الذي علم به