فهرس الكتاب

الصفحة 2876 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 246

خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها بحكمته. تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) منهما أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما أو مما لا يقدر على خلقهما. وفيه دليل على أنه سبحانه وتعالى ليس من قبيل الإجرام.

خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ جماد لا حسّ لها ولا حراك سيالة لا تحفظ الوضع والشكل فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منطبق مناظر مجادل عل وجود الصانع من حيث إنها لحدوثها تحتاج إلى محدث ولإمكانها تحتاج إلى مرجح يرجح أحد طرفي وجودها وعدمها على الآخر، فالذي وقع في القرآن هو الاستدلال بحدوثها وتغير أحوالها. فابتداء سبحانه وتعالى في هذه السورة في الاحتجاج على وجود الإله المختار بإيجاد أجرام السماوات والأرض فإن كل واحد منهما محدث لما تبيّن أن كل حجم متناه وكل ما كان متناهيا في الحجم والقدر كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص مع جواز الكل لا بد له من مقدر ومخصص، فكل ما كان مفتقرا إلى الغير فهو محدث وكذا كل جسم له شكل معين ووضع معين وصفات مختلفة مع تساوي نسبة جميع الأشكال والأوضاع والصفات بالنسبة إلى ذاته فلا بد له من مخصص يخصص بعض تلك الأشكال والأوضاع لذلك الجسم. ثم إنه تعالى ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان، ثم ثلث بذكر الاستدلال بأحوال الحيواني، ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة، فإن شيئا منها لا يقدر عليه غيره تعالى.

قوله: (تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ: منهما الخ) إشارة إلى أن قوله تعالى: تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ليس تكريرا لما ذكر في أول السورة لأنه ذكر أولا لإبطال قول من يزعم أن الأصنام تشفع لمن عبدها وتدفع ما أراد اللّه به من العقاب. وقد أشار المصنف إليه هناك بقوله: «فيدفع ما أراد بهم» وذكر ههنا لكونه نتيجة متفرعة على ما ذكر قبله من دليل الوحدانية كأنه قيل: خالق السماوات والأرض كيف يكون له شريك مع أن ما يتصور أن يكون شريكا إما شيء منهما أو شيء يفتقر إليهما أو شيء لا يقدر على خلقهما وشيء منها لا يصلح أن يكون شريكا له، فثبت أنه تعالى هو الواحد المتعالي عن الشركاء والأنداد.

وهذا التقرير مبني على أن تكون كلمة «ما» في قوله: عَمَّا يُشْرِكُونَ موصولة والمعنى:

تعالى عن الأشياء التي تشركونها لمن هو خالق السماوات والأرض القادر على كل شيء.

قوله: (وفيه دليل) أي وفي قوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ وجه دلالته على ما ذكر أن من هو خالق أصول الأجرام كيف يكون من قبيل الأجرام المحدثة المحتاجة إلى موجد ومخصص يخصص لها المقادير والأشكال والأوضاع والأوصاف، ولما كان أشرف الأجسام بعد الأفلاك وهو الإنسان مركبا من بدن ونفس استدل به على وجود الصانع الحكيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت