حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 245
أنا. وقوله: فَاتَّقُونِ رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود و «أن» مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول، أو مصدرية في موضع الجر بدلا من الروح، أو النصب بنزع الخافض، أو مخففة من الثقيلة. والآية تدل على أن نزول الوحي بوساطة الملائكة وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية وأن النبوة عطائية. والآيات التي بعدها دليل وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة ولو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البخار اللطيف المتولد من غليان الدم المنبث في التجويف الأيسر من اللحم الصنوبري، وأما الروح الطبيعي فهو الذي انتقل من هذا البخار إلى جانب الكبد ووصل إليه وأصلح حاله من التغذي والطبخ ونحو ذلك، والروح النفساني هو ما دخل الشرايين من هذا البخار وتصاعد حتى وصل إلى الدماغ، والبخار في هذه الدرجة يكون في غاية اللطافة ويتفرع عليه الانفعال الحيواني فيكون لغاية اللطافة ساريا إلى جميع الأعضاء والعروق نافذا في أعماق البدن، فإن اتفق أن ظهرت سدة في شيء من الأعضاء سقط ذلك العضو عن العمل لعدم نفوذ الروح النفساني إليه بسبب السدة. واللّه أعلم. قوله: (وأن مفسرة) ذكر في كلمة «أن» ثلاثة أوجه:
الأول أن تكون مفسرة لأن الوحي فيه ضرب من القول. وفي الصحاح: الوحي الكتاب، والوحي أيضا الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك يقال: وحيت إليه الكلام وأوحيت وهو أن تكلمه بكلام تخفيه. والثاني أن تكون مصدرية وهي التي من شأنها أن تنصب المضارع، ووصلت ههنا بالأمر كما في قولك: كتبت إليه بأن قم فإن فعل الأمر لما دل على المصدر كالمضارع صح أن يدخل عليه ما يجعله في تأويل المصدر. والثالث أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف تقديره: ينزل الملائكة بأن الشأن وهو مبتدأ و «أنذروا» خبره وهو إنشاء فلا بد من تقدير القول ليصح حمل الإنشاء على المبتدأ فإن قلنا: إنها مفسرة لا يكون لها محل من الإعراب، وإن كانت مخففة أو ناصبة تكون في محل الجر إما على أنها بدل من «الروح» كما اختاره الزجاج وقال: إنه بدل من الروح والمعنى: ينزل الملائكة بأن أنذروا أي اعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا. وإما على إسقاط الخافض وإبقاء عمله كما هو مذهب بعض النحاة، أو في محل النصب بنزع الخافض كما ذهب إليه الآخرون. والأصل بأن انذروا. قوله: (وأن النبوة عطائية) أي لا يخصصها بواحد دون واحد سوى تعلق المشيئة ويدل عليه قوله تعالى: عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ثم إنه تعالى لما بيّن أن أصل السعادات ومنتهى كمال القوة العلمية معرّفة الصانع شرع في تقرير الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدته ودلالة المصنوعات