حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 244
أَنْذِرُوا بأن أنذروا أي اعلموا من نذرت بكذا إذا علمته أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) أن الشأن لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ أو خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأنه لا إله إلا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التخويف يقال: نذر القوم بالعدو بكسر الذال إذا علموا وكثيرا ما يستعمل الإنذار في مجرد التخويف كما أشار إليه المصنف بقوله: «أو خوفوا» عطفا على قوله: «أي اعلموا» .
والمخاطب بقوله تعالى: أَنْذِرُوا هو الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام إلا أنه تعالى إنما يخاطبهم به بواسطة الملائكة المرسلة فإنهم هم الذين يتلقون الوحي من اللّه تعالى ابتداء من غير واسطة سواء كان ذلك الوحي وحيا متلوا مكتوبا في المصاحف، أو كان من قبيل الإلهام وإلقاء الكلام الخفي. ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فلذلك قال تعالى في آخر سورة البقرة: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: 285] فبدأ بذكر اللّه تعالى الذي هو أول ما يجب أن يؤمن بوجوده ووحدانيته، ثم ذكر الملائكة الذين يتلقون منه تعالى الوحي من غير واسطة، ثم ذكر الكتب التي تتلقاها الملائكة منه تعالى، ثم ذكر الرسل في الدرجة الرابعة لأنهم وسائط في تلقي المكلفين أحكام اللّه تعالى وحدوده التي أجملها اللّه تعالى في قوله: أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 25] فإنه يدل على أن الروح المشار إليه بقوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ليس إلا ما يدل عليه الكلمة الجامعة وهو التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية. فإن النفوس البشرية لها نسبة إلى عالم الغيب تستعد بها لقبول حصول الواردات وتجلّي المعارف والإدراكات من ذلك العالم ونسبة إلى عالم الشهادة تستعد بها لأن تتصرف في أجسام هذا العالم، ويسمّى استعدادها الحاصل بها باعتبار النسبة الأولى قوة نظرية، واستعدادها باعتبار النسبة الثانية قوة عملية. وأشرف كمال القوة النظرية معرفة أنه لا إله إلا هو، وأشرف كمالات القوة العملية الإتيان بالأعمال الصالحة الواقية من خزي يوم القيامة. وقدم قوله: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا على قوله: فَاتَّقُونِ للدلالة على أن ما يستند إلى القوة النظرية أعلى كمالا مما يستند إلى القوة العملية. والكمال الإنساني باعتبار هاتين القوتين يسمى كمالا نفسانيا وللإنسان كمالات غير ما ذكر وهي كمالاته الجسدية البدنية وهي صحة جسده وكمال قواه الحيوانية وهي تسع عشرة قوة. وذلك لأن قواه الحيوانية لا تخلو إما أن تكون محركة أو مدركة أو لا تكون محركة ولا مدركة، فالمحركة منها قوتان: شهوية وغضبية والمدركة منها عشر قوى: الحواس الظاهرة والباطنة، والتي لا تكون محركة ولا مدركة سبع؛ وتسمى القوى النباتية وهي: الغاذية والنامية والمولدة والجاذبة والهامضة والماسكة والدافعة فالمجموع تسع عشرة. وفي بدن الإنسان ثلاث قوى غير ما ذكر وهي: الروح الحيواني والروح الطبيعي والروح النفساني. أما الروح الحيواني فهو