فهرس الكتاب

الصفحة 2903 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 272

على «وقال الذين أشركوا» إيذانا بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه زيادة في البت على فساده، ولقد رد اللّه تعالى عليهم أبلغ رد فقال: بَلى يبعثهم وَعْدًا مصدر مؤكد لنفسه وهو ما دل عليه «بلى» فإن يبعث موعد من اللّه تعالى عَلَيْهِ إنجازه لامتناع الخلف في وعده أو لأن البعث مقتضي حكمته حَقًّا صفة أخرى للوعد وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (38) أنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من واجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها، وإما لقصر نظرهم على المألوف فيتوهمون امتناعه. ثم إنه تعالى بيّن الأمرين فقال:

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ أي يبعثهم ليبين لهم الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وهو الحق وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (39) فيما كانوا يزعمون وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث المقتضي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محذوف أيضا فتكون الآية نظير قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [الأعراف: 186] وقوله: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية: 23] أي من بعد إضلال اللّه تعالى إياه وهو أبلغ في نفي الهداية عنه. قوله: (أنكروا البعث مقسمين عليه) وجعلوا إنكاره ذريعة إلى إنكار النبوة لأنه عليه الصلاة والسّلام إنما يدعو إلى طاعة اللّه تعالى ورعاية حدوده وتكاليفه بسبب ترغيبه في ثواب الآخرة، والترهيب من عقابه الكائنين بعد البعث. فإذا بطل القول بالبعث بطل نبوة من دعا إلى الإقرار به لكونه داعيا إلى الباطل. ثم إنهم ادعوا البديهة في إنكارهم البعث وقالوا: الإنسان ليس إلا هذه البنية المخصوصة فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه لأن الشيء إذا عدم وفني ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه، فالذي يعود يجب أن يكون شيئا مغايرا للأول لا عينه. وأشاروا إلى ادعائهم ضرورة ذلك الإنكار بالأقسام واليمين ولم يصرحوا بتفريع بطلان القول بالنبوة على بطلان القول بالبعث لكون تفرعه عليه جليا مستغنيا عن التصريح. قوله: (مصدر مؤكد لنفسه) فإن «وعدا» معنى مضمون الجملة التي دل عليها «بلى» وتلك الجملة لا محتمل لها من المصادر إلا ذلك المصدر الذي هو الوعد. فقوله: «وعدا» يؤكد الوعد المدلول عليه «ببلى» واللام في قوله: «ليبين» متعلق بالفعل المقدر بعد حرف الإيجاب أي: بلى يبعثهم ليبين لهم بالبعث الذي اختلفوا فيه مع المؤمنين وذهبوا فيه إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون.

قوله: (بيّن الأمرين) بيّن أولا أن البعث مقتضى الحكمة فإن الحكمة تقتضي التمييز بين المحق والمبطل وبين المظلوم والظالم بمجازاة كل أحد على حسب عمله، وذلك التمييز لا يكون إلا بالبعث والجزاء، وقد مر أن البعث من توابع التكليف ومقتضياته. ثم بيّن إمكان البعث وأن أقسامهم على نفيه وإنكاره إنما نشأ من قصر نظرهم على ما ألفوه من استمرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت