فهرس الكتاب

الصفحة 2959 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 328

فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب أو الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة أو الكاذبون في قولهم إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النحل: 101] إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اندفاعه على تقدير أن تكون اشارة إلى قريش ظاهر. لأنهم لما نسبوا الكذب والافتراء إليه عليه الصلاة والسّلام بقولهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ قلب اللّه تعالى ذلك الأمر عليهم وجعل قوله: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مقدمة كلية يتفرع عليها المقصود كأنه قيل:

إنهم لا يؤمنون بآيات اللّه وكل من لا يؤمن بها فهم الذين يفترون الكذب، فقريش هم المفترون الكاذبون لا أنت فلا استدراك. ووجه اندفاعه على تقدير أن تكون الإشارة إلى قوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لعنادهم ومكابرتهم أنهم كانوا يعاندون بآيات اللّه ويكابرونه ويكذبون مع علمهم أنها آيات اللّه، لأن مضمون الجملة الأولى عاما، ويحتمل أن يكون في قوم علم اللّه أنهم لا يؤمنون بآيات اللّه ويموتون عليه. فمن علم اللّه منه ذلك لا يهديه إذ افتراء الكذب لا يصدر إلا من الذين لا يؤمنون بآيات اللّه ولا يصدر عمن آمن بها، لأن خوف العقاب إذ يردعه عنه. ومضمون الثانية خص الجماعة الذين يعرفهم المخاطب بأنهم الكاذبون من الذين كفروا بآيات اللّه على أن يكون تعريف الكاذبين للعهد الخارجي. وأشار المصنف إليه بقوله: «هم الكاذبون على الحقيقة» وإن كان التعريف الذي فيه تعريف الجنس والحقيقة بأن يكون الكاذبون إشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة الكاذبين وخصوصياتهم، يكون مضمون الثانية خص تلك الحقيقة بهم مبالغة كما في قولك:

عمر والشجاع أي الكامل في الشجاعة تبرز الكلام في صورة توهم أن الشجاعة منحصرة فيه لا تتجاوزه إلى غيره لعدم الاعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال. فكذا الحال في قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ وإليه أشار بقوله: «أو الكاملون في الكذب» . وعلى التقديرين تفيد الجملة الثانية غير ما تفيده الأولى فلا استدراك. وكذا إن أريد بالثانية أولئك الذين عادتهم الكذب واستمروا عليه بناء على أنه عبر عن المسند في الجملة الأولى بلفظ الفعل الدال على الحدوث وعدم الدوام، وفي الثانية عدل إلى الجملة الدالة على الاستمرار.

والوجه الرابع لاندفاع الاستدراك أن ما أثبت للذين كفروا في الجملة الأولى هو مطلق الكذب وما أثبت لهم في الثانية هو الكذب المخصوص الواقع في قولهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ وإِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ وفي الآية دليل على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش، لأن كلمة «إنما» للحصر فدلت على أن الكذب والفرية لا يقدم عليه إلا من كان كافرا بآيات اللّه وهذا تهديد عظيم. روى الإمام محيي الدين: والسنة في تفسيره أن عبد اللّه بن جراد قال: قلت:

يا رسول اللّه المؤمن يزني؟ قال: «قد يكون ذلك» قلت: المؤمن يسرق؟ قال: «قد يكون ذلك» قلت: المؤمن يكذب؟ قال: «لا قال اللّه تعالى: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الذي لا يُؤْمِنُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت