فهرس الكتاب
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 5، ص: 329
[النحل: 103]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ بدل من «الذين لا يؤمنون» وما بينهما اعتراض أو من «أولئك» أو من «الكاذبون» أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله:
«فعليهم غضب» . ويجوز أن ينتصب بالذم وأن تكون «من» شرطية محذوفة الجواب إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على الافتراء أو كلمة الكفر استثناء متصل لأن الكفر لغة يعم القول والعقد كالإيمان. وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ لم تتغير عقيدته. وفيه دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب. وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا اعتقده وطاب به نفسا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106) إذ لا أعظم من جرمه. روي أن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بِآياتِ اللَّهِ». قوله: (بدل من الذين لا يؤمنون) فإن قلت: كيف يكون بدلا منه مع أن قوله تعالى: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ رد لقول قريش: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ وهم ما كفروا بعد الإيمان؟ أجيب عنه بأن قوله تعالى منه: مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ المراد من بعد تمكنه من الإيمان كقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: 16] إذ لا هدى لهم بل بتمكنهم من الهدى، والإعراض عن الإيمان بعد التمكن منه على سبيل العناد والتمرد أبلغ في إبطال مقالتهم كأنه قيل: إنما يفتري الكذب من كفر باللّه عنادا بعد تمكنه من الإيمان الصحيح المستند إلى الدليل القاطع والبرهان الساطع. واستثنى منه المكره فلم يدخل تحت من افترى الكذب. قوله: (أو مبتدأ خبره محذوف) تقديره «فعليه غضب» حذف لدلالة ما بعد «من» الثانية عليه، وكذا إن كانت «من» شرطية حذف جوابها اعتمادا على دلالة ما بعد «من» فإن جواب مَنْ شَرَحَ يدل عليه تقديره. فعليهم غضب إلا من أكره لكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب أي فتح صدره ووسعه لقبول الكفر وطابت به نفسه. وأصل الشرح بسط اللحم ونحوه يقال: شرحت اللحم وشرحت الكلام المشكل أي بسطته وأظهرت معانيه، ومنه: شرح الصدر وصَدْرًا منصوب على التمييز والأصل شرح صدره فأسند الفعل إلى المضاف إليه وانتصب صدرا على التمييز. وقال الإمام: انتصب «صدرا» على أنه مفعول للشرح والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة ويراد به المعرفة. قوله: (استثناء متصل) لأن من أكره على كلمة الكفر داخل في جنس من كفر لأن الكفر لغة يعم القول والعقد.
قوله تعالى: (وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) جملة حالية أي إلا من أكره في هذه الحالة.
ووجه الاستدراك في قوله: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ دفع توهم أن من أكره من غير اعتقاد له أو مع اعتقاد، والعياذ باللّه، مستثنى من استحقاق الغضب والعذاب العظيم. وقوله:
وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ لا ينفي ذلك الوهم فاحتيج إلى الاستدراك لدفع ذلك الوهم. روي عن